فهرس الكتاب
... ... لقد فهم هؤلاء النقاد، إذًا، من الصدق في الشعر الجاهلي، الصدق الواقعي لا الصدق النفسي، ولم ينتبهوا إلى أنه"ليس ثمة تعارض بين الذاتية والحسّية في الشعر الغنائي العربي" (23) فالشاعر الجاهلي، في تصويره للواقع المحسوس إنما يصوّر ذاته، وقد اندغمت بواقعه، فأصبح هو والمحسوسات شيئًا واحدًا. وبهذا الشكل يصبح الصدق الحسّي الواقعي عند الجاهلي صدقًا شعوريًا ذاتيًا في الوقت نفسه، ولهذا السبب يخرج الشاعر الجاهلي الحقيقة التي يلتزمها"إخراجًا يجعلها من أصفى أنواع الشعر، ومن أسمى ما تطمح إليه شاعرية شاعر" (24) .
ب ) البحث عن عيوب الشاعر: فقد كان لربط الشعر بالمتلقي لابتجربة الشاعر أثر كبير في تتبّع عيوب الشاعر، لمعرفة مجرى مطابقته أو مخالفته للمألوف المتعارف عليه."فالناقد العربي لم يتصوّر قط أن يأتي إلى الشعر كما أبدعه الشاعر، فيقوّمه ليظهر مافيه من جمال، وإنما كان يفترض أن عليه أن يحمل الشاعر على جادة العرف النقدي الصارم، ثم لايعنيه بعد ذلك إلاّ أن ينظر إلى ماقاله الشاعر، لكي يرى: هل استقام على العرف، أم خرج عليه؟" (25) .
جـ) عدم العناية بالخيال: إذ من البديهي أن"يجعل هذا الأمر الشاعر على حذر يكبّل هاجس الخيال (26) . فالشاعر، إذ يسعى ليكون كلامه منسجمًا مع المثل الأعلى ليرضي المتلقين، يصبح تقليديًا مجردًا من الدوافع الذاتية للإبداع، وبالتالي من حرية الخيال والتخيّل. وهكذا يصبح الخيال ضربًا من الوهم الكاذب، لاسبيل إلى التوفيق بينه وبين الصدق (27) ."
... ... ومما أدى أيضًا إلى هذه النتيجة أنهم وضعوا الصدق في مقابل المبالغة والغلو. فهذا كان كفيلًا"بأن يضيّق معنى الخيال، إن لم يجعله شاحبًا ينطوي على ما يشبه علو الواقع وسيطرته على الشاعر" (28) .