فهرس الكتاب
إن ظاهرة التناقض بيّنة في تفسيرهم الكذب بالمبالغة، والصدق بالواقعية. فالمبالغة قد تكون أصدق من الحقيقة في التعبير عن ذات الشاعر، كما إن الواقعية قد تكون كاذبة رغم تصويرها للواقع الحرفي. ومن مظاهر التناقض في الرؤية النقدية للشعر عند العرب، انهم رفضوا المبالغة على أنها مظهر من مظاهر الكذب، في حين قبلوها ودعوا إليها في بعض أغراض الشعر، كالمديح والفخر والهجاء. ولعلّ معلقة عمر بن كلثوم من أهم القصائد القديمة التي تبدو فيها المبالغة بشكل واضح ساطع (31) .
لقد كانت المبالغة مرغوبة في المديح لأنّ على الشاعر أن يسعى لإرضاء ممدوحه (32) ، كما كانت مرغوبة في الفخر لأن عليه أن يعلو فوق الجميع. أما سبب قبولها في الهجاء، فلأنه بوساطتها ينال الشاعر من مهجّوه.
إن سبب قبول المبالغة، كما يلاحظ، يعود إلى مراعاة المتلقي، وهو السبب نفسه الذي رفضوها لأجله. فهم قبلوها بسبب المتلقي ورفضوها بسببه، مما يحمل على القول بأن ارتباط الشعر بالمتلقي هو السبب في بروز ظاهرة التناقض في التفكير النقدي العربي.
هذا، وإن اضطراب الرؤية النقدية عند العرب يعود في الكثير من أسبابه إلى انطلاقهم في أحكامهم النقدية من الشعر الجاهلي، ومن كون الشعر لديهم وسيلة امتاع، غايته إرضاء السامع لا التعبير عن تجربة الشاعر.
( هوامش الصدق والكذب:
(1) المرزوقي: شرح ديوان الحماسة 1/9
(2) دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، ص 11، 13، دار نهضة مصر، القاهرة، د.ت
(3) انظر المرجع نفسه 13-15
(4) الشامل 620 -621
(5) المرزوقي 1/9
(6) انظر هلال: دراسات ونماذج 13
(7) الشامل 621
(8) المرزوقي 1/9
(9) شرح المقدمة الأدبية لابن عاشور 70
(10) المرجع نفسه 87
(11) المرزوفي 1/11
(12) الشعر العربي بين الجمود والتطور للكفراوي 201
(13) الأدب وفنونه لعز الدين إسماعيل 141
(14) انظر شرح المقدمة الأدبية 98
(15) عيار الشعر لابن طباطبا 13