فهرس الكتاب
وليس المرزوقي أوّل من قال بهذا التأليف، وإنما سبقه إليه ابن قتيبة الذي رأى"أن الطبع يشمل القول على البداهة، مثلما يشمل الصنعة الخفية" ( 12) . كما سبقه إليه القاضي الجرجاني في قوله:"الشعر علمٌ من علوم العرب، يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه" (13) استنادًا إلى هذا المفهوم للصنعة الخفية، نستطيع أن نفسّر كون الشعر عند العرب صناعة والشاعر صانعًا، ونستطيع كذلك أن نميّز بين الشاعر الصانع والشعر المصنوع. فالشاعر الصانع هو الذي يجري وفق قوانين الصنعة الخفية، وبهذا يكون كل الشعراء صنّاعًا. أما الشعر المصنوع، فهذا الذي يجري وفق قوانين الصنعة الظاهرة (14) .
والعرب، إذ يرون الشعر صناعة، لايعترفون بدور الصنعة الخفية فيه وحسب، بل إنهم يطالبون الشاعر، بالاعتماد عليها، وظهورها في فنه. هذا ما عبّر عنه الأستاذ"فييت"في بحث عن أصول الجمال في الفن الإسلامي، إذ قال"إننا نحبّ، في بلادنا الغربية، أن يخفي علينا الفنان ما يبذله من جهد، فيظهر غير مكترث لما انتصر عليه من صعوبات. أما في الشرق، فالحالة على غير هذا. فلا نستغرب إذا، موقف الفنان المسلم إذا لم يرم إلى أيها منا ارتجال فنه، فهو لايرتجل، ولايرمي إلى الارتجال، إنّما يطلعنا في جميع تفاصيل أثره على اجتهاد متواصل، ينفي الاكتفاء بالمظهر الأول" (15) وما هذا الموقف من العرب، عند عز الدين إسماعيل، إلا نتيجة لتفضيله"الصورة المصنوعة على الصورة الطبيعية، على أساس أن الجمال في الصنعة كامل، في حين إنه في العمل الطبيعي لايكون كاملًا" (16) .
وممّا أدّى إلى ترسيخ مفهوم الصناعة في الشعر العربي، توافر ظروف عديدة منها:
أ- ارتباط الشعر بالفنون التصويرية (17) .
ب- اقتصار وظيفة الشعر على التحسين والتعجيب (18) .
جـ ـ اتخاذ الشاعر من التكسب بالشعر حرفة له، وخضوع الشعر نتيجة ذلك لقوانين العرض والطلب (19) .