فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 122

ويوضح محمد مندور ما ذهب إليه الأستاذ الشايب، فيرى أن الشعراء القدماء كانوا يصدرون"عن الاستعارة بفطرتهم دون معرفة نظرية، ولا وعي تحليلي لطرق استعمالها. ولهذا جاءت معظم الاستعارات القديمة صادقة لأن ملكة الشعر انتزعتها من طبائع الأشياء، أو على الأصحّ لأن الأشياء أملتها على الشعراء دون أن يصنعّوا هم شيئًا" (29) .

هذا هو سبب استحسانهم استعارات القدماء. أما سبب رفض النقاد استعارات المحدثين، فيعود، على حدّ قول القاضي الجرجاني، إلى أنه"لما أفضى الشعر إلى المحدثين، ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميّزها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلّفوا الاحتذاء عليها فسمّوه البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومفرط" (30) وهذا يعني أن سبب ذلك يعود إلى التقليد، وأثر التقليد في ميل الشعر إلى الصنعة واضحٌ ظاهر...

نخلص من ذلك إلى أن الطبع هو معيار استحسان الصور، سواء أكانت هذه الصورة تشبيهية أم استعارية تصريحية أم مكنية ‍ (الاستعارة في بيت أبي ذؤيب مكنية) وما رفض النقاد لاستعارات المحدثين إلا لأنها كانت تجري مجرى الصنعة والتقليد لا الطبع والأصالة.

لقد أراد النقاد أن تكون الصورة مطبوعة، كما كانت عند القدماء. ولما كان القدماء قد أكثروا من التشبيه، عدّ التشبيه أفضل الصور، وعلامة الشاعرية، ودليل براعة الشاعر (31) ، بل عُدّ الوسيلة التصويرية المطبوعة الوحيدة، وفيه تكمن مقدرة الشاعر على الابتكار (32) .

ولكن! إذا كان الطبع هو معيار استحسان الصور، لماذا عدّوا التشبيه الوسيلة التصويرية المطبوعة الوحيدة، ولم يجعلوا الاستعارة معه، مع أنهم قبلوا نماذج منها؟

إن كثرة اعتماد القدماء على التشبيه، هي التي دفعتهم إلى جعل هذه الوسيلة التصويرية أقرب إلى الطبع، لقربها من أذواق القدماء. أضف إلى ذلك أنه في التشبيه تتحقق وظائف الشعر، بحسب الرؤية النقدية العربية القديمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت