فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 122

ويبقى سؤال آخر: لماذا قبل النقاد استعارات القدماء، وعدّوها مطبوعة، ورفضوا استعارات المحدثين وعدوّها مصنوعة ؟

لقد قبل النقاد استعارات القدماء وعدّوها مطبوعة، لأنها قليلة إذا ما قيست إلى الصور التشبيهية (33) ، ولأنها على قلتها مرتبطة بفكرة"وترد استجابة لقوة المعنى وصدق تصويره" (34) ، كما يرى الأستاذ الشايب.

وإذا كان ما قبلوه من الاستعارات يغلب عليه النوع التصريحي، فإن هذا لايعني رفضهم القاطع للاستعارة المكنية، بدليل استحسانهم بيت إبي ذؤيب. فهم قبلوا الشكل الأول لأن فيه شبهة بالتشبيه، أما سبب ما استحسنوه من الاستعارات المكنية، فيعود إلى أن علاقة النقل والمغايرة فيها كادت تنسى، بسبب الإلف والعادة وطول الزمن (35) ، مما أدى إلى أن تصبح واضحة مألوفة وضوح التشبيه وألفته.

أما رفضهم استعارات المحدثين وعدّها مصنوعة، فيعود إلى أن هذه الاستعارات كثرت كثرة قوية في شعرهم (36) ، وإلى أنها أصبحت تصدر عن العقل لا عن الحسّ (37) ، وباتت تعتمد على المبالغة والتهويم لا الصدق والواقع، وأنها انفصلت عن الفكرة، فأصبح الشاعر يسعى إليها لذاتها بغية التحسين والتزيين. وهكذا انتقلت الاستعارة من كونها تعبيرًا عن تجربة إلى مجرّد زينة وحلية لفظية، ممّا جعل النقاد يدخلونها في باب البديع. ولعلّ النقاد هم السبب في عدّ الاستعارة زينة وحلية، وذلك لفصلهم بين اللفظ والمعنى، بين الصورة والمضمون، واهتمامهم بالشكل دون المحتوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت