فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 122

ولا يستغرب هذا الموقف من النقاد العرب. فهم لمّا جعلوا المبالغة والخيال أحد أساليب التحسين والتعجيب، وجعلوا الاستعارة ضربًا من المبالغة والتخييل الكاذب، أصبحت الاستعارة بالتالي وسيلة للتحسين والتعجيب. وهذا أدّى، بالتالي، إلى اعتبارها من أساليب الصنعة، واعتبار التشبيه الذي يقابلها من أساليب الطبع. ولمّا كانوا يطالبون الشاعر بأن يكون مطبوعًا، أصبح لزامًا عليه أن يعنى بالصور التشبيهية لا الاستعارية، وإلاّ عُدّ شعره مصنوعًا. ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلتهم يعدّون أبا تمام إمام مذهب الصنعة.

وترسيخًا لهذا المبدأ التصويري، ولكي يجيد الشاعر صناعته المطبوعة، وضع النقاد أمامه نماذج من التشبيهات المستحسنة المطبوعة، كما فعل المبرّد في كامله. يقول بدوي طبانة عن المبرّد: إنه"لايعجبه إلاّ تشبيهات الأقدمين، ويريد الناس على ألاّ يجددوا فيها، وألا يخرجوا عنها. فهم قد شبهّوا المرأة بالشمس والقمر والغصن والغزال والبقرة الوحشية والسحابة البيضاء والدّرة والبيضة، وشبهّوا عين المرأة والرجل بعين الظبي أو البقرة الوحشية، والأنف بحدّ السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة، والساق بالجمّار" (38) .

يلاحظ في هذا الكلام أن كل التشبيهات تدور في إطار المحسوسات البدوية الرعوية. وفي هذا تشبث بالصور الجاهلية، وأثر من آثار الشعر الجاهلي في الذوق والنقد العربيين.

لقد فرض هؤلاء النقاد، إذ وضعوا مثل هذه النماذج الجاهزة، على الشعراء أن يحاكوها ويقلّدوها، بذلك يتخلّى الشعراء عن طبعهم، فيصيرون أسرى التقليد والقديم، وفي التقليد صنعة وتكلّف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت