فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 122

لقد أعجب النقاد بالشعر الجاهلي، فتشبّثوا به ودعوا الشعراء للكتابة على مثاله.. ثم نظروا فيه، وحاولوا تقعيد أصوله، فكان عمود الشعر، الذي كان"عندهم يشبه عمود الدين، الحياد عنه بدعة من البدع، أوضلال يجب أن يتناول بالكراهة التي تبلغ أحيانًا حدّ التحريم" ( 2) .

هذا التشبّث بعمود الشعر وبطريقة القدماء، كان سببًا رئيسًا في جمود الشعر العربي وتأخره. ويمكننا إجمال هذه العوامل التي أدّت إلى جمود الشعر في الأمور التالية:

1 -إهمال الخيال:

لقد كان لإهمال العرب دور الخيال، واعتمادهم التنظيم في قواعدهم النقدية، اثر كبيرٌ في جمود الشعر العربي، وتحو‍ّله إلى صنعة لاتحتاج إلى كثير من الخيال والابتكار (3) . فالخيال عندهم ضرب من الوهم (4) ، والتخييل قياس شعري خادع (5) لهذا، كان الربط بين الخيال والصورة في النقد القديم عبثًا،"فكلاهما ذو مفهوم مستقلّ عن الآخر" (6) .

إنّ ضعف ملكة الخيال الشعري عند العرب هو أثر من آثار خطابية الروح العربية المشتعلة، التي"لاتعرف الأناة في الفكر، فضلًا عن الاستغراق فيه" (7) . وهو أيضًا أثر من آثار ماديتها المحضة، التي"لاتستطيع الإلمام بغير الظواهر ؛ مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى" (7) . لقد كان لهاتين النزعتين (الخطابية والمادية ) ، أثر كبير في النظر إلى الشاعر على أنه خطيب، وظيفته حماية ذمار القبيلة والنضال عن أعراضها بلسانه، واستفزاز نخوة الحميّة في أبنائها حين تأزف الآزفة ؛"حتى إنهم لمّا جعلوا لشعرائهم أرواحًا تملي عليهم الشعر، لم يجعلوا تلك الأرواح ملائكة أو آلهة... وإنما جعلوها شياطين تصقل لسان الشاعر وتجعله أدنى إلى بلاغة القول وجزالة الخطاب، وما ذلك إلاّ لأنّهم لايرون في الشاعر إلاّ خطيبًا ينظم مايقول. وقد تأثر الشعر العربي بهذا الفهم الذي كان يفهمه العرب من الشاعر، فكان فيه شيء كثير من الخطابة المنظومة" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت