فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 122

وإن تشبيه الشاعر بالخطيب جعلهم يشبّهون الشعر بالنثر - فيما عدا ضرورتي الوزن والقافية"فالشعر كلام موزون مقفّى"- ولمّا كان النثر يقوم على وضوح الدلالة، فقد أصبح الوضوح بالتالي قيمة يجب تحقّقها في الشعر. وبما أن"التشبيه، بما فيه من قيم عقلية، يتناسب مع الأداء النثري" (9) فقد عدّ وسيلة تصويرية في الشعر لتحقيق الوضوح النثري فيه. ولعلّ المرزوقي قصد إلى ذلك، بطلبه المقاربة في التشبيه.

إلى هذا الوضوح النثري في التجربة الشعرية الجاهلية، يشير أيليا حاوي، فيقول: لقد كانت"التجربة في الشعر القديم.. شبيهة بالأفكار النثرية، لوضوحها و استقامة حدودها" (10) . وللطبيعة الجاهلية دورها في هذا المقام، فهي ذات أثر كبير في هذه النثرية الخطابية (11) ، وفي ضعف الفكر والخيال في الشعر الجاهلي (12) . غير أنّ هذه الطبيعة إذا كانت قد تغيّرت فيما بعد، فإن أسلوب التعبير الشعري لم يتغيرّ، واستمرّ على النهج الخطابي النثري الجاهلي. وذلك لأن العرب لما اعتبروا الشعر الجاهلي مثالًا أعلى يُحتذى، واستمدّوا منه مقاييسهم النقدية، أرسخوا مفاهيمه وحافظوا على أصوله، وجمّدوا بالتالي الشعر العربي في قوالبه (13) .

لقد أجمع النقاد على أن الأدب لايقصد لذاته، من حيث كونه فنًا جادًّا من فنون الحياة، له روحه وأطواره ونزعاته. فقد كان هذا الأدب عندهم وسيلة من وسائل الدين، مما جعلهم لايفهمون منه إلاّ أنه ألفاظ وتراكيب وجمل وأساليب، ليس وراءها روح ولا فكر. وقد جعلهم هذا الأمر أيضًا يعتقدون أن الأدب الجاهلي هو خير المنتجات العقلية التي عرفها العالم (14) . يقول الشابي:"وقد لجّ بهم هذا الفكر حتى تعصبوا للأدب الجاهلي، وازدروا ما أنتجه الذهن الإسلامي" (14) . فهم لم يعترفوا بالتطور العقلي والانفعالي للشعراء والناس، الذي يتطلب وسائل أسلوبية جديدة تتناسب مع تطور الحياة (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت