لقد أجرى ليفي ستروس دراسات على أساس الافتراض القائل بأن لدى العقل الانساني طريقة تسمح له بتصنيف الأشياء في ألفاظ أو معانٍ متقابلة، الأمر الذي جعل الانسان يميز بين نفسه وغيره، أو بين الحيوان والذات الانسانية، وبين الطبيعة والثقافة. هذه القدرة على التمييز تمثل في نظر ليفي ستروس جوهر الاختلاف بين الانسان والحيوان، كما أنها سهلت قيام الإنسان بالتفاهم والتخاطب عن طريق استخدام مجموعة من التجريدات والرموز، التي ساهمت في بلورة تشكيل نمط الثقافة السائدة وتمييزها عن غيرها من الثقافات الانسانية. وأيًا كان طابع أو طبيعة الثقافة، فإن اللغة تمثل العمود الفقري فيها. فالمجتمع- وبالتالي الثقافة- على حد تعبير رومان ياكوبسون مؤلف كتاب علم اللغة- ما هو إلاَّ"شبكة محكمة جدًا من التفاهم الجزئي أو الكلي بين أعضاء الجماعات"واللغة بطبيعة الحال تمثل الأداة الأساسية بيد الانسان لتحقيق أشكال الاتصال والاعلام والتفاهم كافة. ولقد حدد ليفي ستروس ثلاثة أنواع من أنظمة الاتصال بين الأفراد والجماعات وهي: تواصل الوسائل"اللغة"وتواصل المنافع"الاقتصاد"والتواصل الجنسي"الزواج" (5) لكن تلك الدراسات وما بني عليها من مدارس أخرى للقراءات الأنترولوجية، لم تعنِ الجوانب الأخرى المتعددة التي تحملها المنظومة الثقافية في سيرورتها. وإن كان قد أشار إلى ثلاثة عناصر هامة"اللغة، الاقتصاد، القرابة"رغم ارتباطها أيضًا فيما بينها، فاللغة وإن كانت ذات علاقة هامة، بالميتولوجيا، والمعتقدات، والبناء الديني مثلًا، وتحمل في داخل تكوينها الكثيرَ المعبِّرَ عن ذلك، إلاَّ أن لهذه العناصر الأخيرة بنى تبدو علاقة اللغة فيها محدودة بشكل أو بآخر.