وللمخيال الاجتماعي أيضًا كمنظومة حجمية جماعية لتصورات الجماعات البشرية عن سيرورية الاحداث وتخيلها وتحميلها الجمالي، خصائص معرفية رغم ارتباطها الوثيق بآلية التواصل اللغوي، إلا أنها تحمل جوانب تخيلية خاصة، تتحدَّد فيها علاقة اللغة ومثل ذلك أيضًا الذاكرة الجمعية في آلية الاختزان والمعالجة والتشفير والاستحضار والاكتساب والتأصيل والتحديث. وأيضًا تبدو علاقة السيكيولوجيا الجمعية بآليات الحراك الجماعي، تجاه الظواهر الاجتماعية والبيئية والطبيعية والقلق والخوف والولادة والموت والحرب.. ذات ملامح خاصة أبعد من قدرة اللغة على تحميلها. لذلك لاتحمل مقاربتنا في هذا البحث جوانب طاغية معرفيًا وأخرى مقهورة بمقدار ما تحمل من تداخل هذه المكونات التي تحدثنا عنها أعلاه جوانب الترابط والتداخل في المنظومة الأناسية المعرفية العربية على مدى تطورها التاريخي. وإن كنا قد خصصنا فصلًا موسعًا وهامًا في هذا الكتاب لدراسة البنية اللغوية الأناسية المعرفية العربية وذلك لما تحمله هذه البنية من تقاطعات هامة ورئيسية بين كل العناصر المكونة للمنظومة الانتروبولوجية التطورية ( التاريخ الأناسي، الذاكرة الجمعية، المخيال الاجتماعي، السيكيولوجيا الجمعية، الميتولوجيا والمعتقدات، البنية الاقتصادية والنمطية، وتطور وسائل الانتاج الجماعي والفردي..) حملت آلية التعبير الخاصة بها عبر أنساق لغوية ذات دلالات هامة.
وانطلاقًا من تلك المقاربة حددنا المراحل التاريخية المعرفية"اشتراطيًا"لتطور اللغة العربية:
1-اللغة العروبية البدئية، وهي شفاهية، تركت بعض رموزها وعناصرها في المراحل الأخيرة من أزمنة ما قبل التاريخ. وهي الأمُّ للهجات الكتابية العروبية التي ظهرت لاحقًا.