فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 268

ففي نفس الوقت الذي تحدثنا فيه عن التماثيل في مراحل التاريخ الحضاري للنطوفية والسبيلية انتقلنا إلى رسم التكوين الأولي المعرفي أناسيًا الذي أدى بالضرورة إلى تكوين واقع فكري مميز لخصناه في السطور الأولى من هذا الفصل، وفصّلناه باسهاب مع تطور اللغة الشفاهية إلى كتابية في مشرق الوطن العربي بما عناه ذلك من ضرورة تمايز طبقة الكهنة كمؤسسة دينية ارتبطت بوجود التراكم المادي والفائض الاقتصادي الذي وشى ببنية جوهر حركيته ما يمكن أن نسميه تفرّغ هؤلاء الكهنة، وهذا، طرح ضرورة الارتقاء بعلاقات الكهنة بالمعبود من خلال اللغة وبمكان العبادة من خلال تجسيد أفكار الاعتقاد والعبادة"ميثولوجيًا"عبر لغة تنتقل إلى صيغة التجسيد القائم المعزول عن وجود الانسان بحيث دفعت تلك الحاجة إلى نقل اللغة الشفوية، التي يزول تأثيرها، بانتفاء وجود الانسان المتحدث بها، إلى اللغة الكتابية أو المكتوبة والتي يبقى تأثيرها قائمًا رغم انعدام وجود ناطقها. وهذا ما شكل أحد العلامات المميزة الرابطة بين نقل التجسيد من واقع الصوت إلى واقع النقل الحركي له مكتوبًا. كل ذلك شكل أحد الملامح الأساسية للانتقال في"فلسفة"القراءة المعرفية الأناسية لمعنى وجود الانسان وعلاقاته بمكوِّنات وجود البنائية. فاعتبر قراءته للذات مرتبطة بالنطق، باللفظ، بالكلمة الملفوظة، ومع انتهاء آخر حركية صوتية كان يعتقد بأنَّ ذاته انتهت مع انتهاء تلك الحركة بما يعني بها من وشائج ربط مع كل إحداثيات وجوده المرتبط بالمعبود، فحدا به ذلك إلى الانتقال إلى حالة استمرارية في قدرة تأثيره، وهذا بالضبط ما تحققه الكلمة المكتوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت