فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 268

فمنذ بدأ الإنسان يفكر في معنى الحياة والوجود وعلاقته بالطبيعة والكون، وبالزمان وبالمكان، اتخذت عنده رموز الخصب والانتاج في الطبيعة هالة من القدسية؛ فعبد كل ما يوفر له الغذاء ويحافظ على ديمومة الحياة وقد ارتبطت المرأة منذ العصور الحجرية القديمة بعبادة الأرض، لأنهما كلتيهما، ترمزان للخصوبة واستمرار الحياة. وطوال مرحلة الانتقال من جني القوت إلى مرحلة انتاجه، كانت عبادة الانثى طاغية على عبادة الذكر، لأنها هي التي تلد وتحافظ على استمرار الجنس البشري ولأن دورها في العملية الاقتصادية لم يكن دون دور الرجل (83) ومع تطور البنية الجماعية في الانتاج وتطور العملية الانتاجية الزراعية وضرورة تدخل الرجل (كقوة عضلية) في تلك العملية، انتقلت الانثى إلى الموقع الثاني، وحلّ الرجل مكان الصدارة في السلالم الميثولوجية والثيولوجية. لكن المرأة بقيت تحتفظ بخاصيتها الأساسية التي قدمتها سابقًا (الإنجاب والخصب والولادة والعطف والرحمة) . وكما قلنا في فصلنا الأول، بأن الجماعات العروبية ما قبل التاريخية كانت سباقة بالتطور التاريخي وعلى مسار أنساق التاريخ كلها فقد تميزت لهجاتنا العروبية بخصائص هذا الانتقال والسبق التاريخي في تحميل بنائها الأبعاد المعرفية الأناسية، التي ما زالت لغتنا العربية تحملها في كل دلالاتها اللفظية والتركيبية والمرجعية والرمزية... ففي الأدب الأوغاريتي (الكنعاني) ترد لفظة (رحمايا) كإسم لإلاهه، ولا شك أن الأصل هو"الرحم"والرحم هو مستودع الجنين عند المرأة، وهو رمز الخصب واستمرار الحياة. كما تعني (ر ح م) الكنعانية: فتاة، كأن يقال -رحم- بالكنعانية، مثل بقية اللهجات العروبية، معنى الرحمة أيضًا. وتعني كلمة الرحم بالعربية- القرابة أيضًا كأن يقول"ذو رحم"أي"ذو قرابة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت