من ثم تصاعدت تلك الرؤية في المسيحية التي لم تكن في قوامها الأولى، وقبل التغريب بها إلاّ ارتقاء للأناسة المعرفية العربية كما قال ستاندال في"الحوليّات الإيطالية": إن دين المسيح هو دين الفلاسفة العرب معاصريه" (1) ."
وبالضرورة الأكيدة، كان لابد للمشرق العربي أن يدافع عن ذلك البناء السباق والعظيم، ولامتلاكه للمعرفة الأولى والقدرة الخارقة أن يسمو بتلك الحضارات عبر مظاهر أكثر شفافية ومتانة فكان الاسلام المظهر الأناسي المعرفي التالي للعروبة، والذي، شكلَّ مع اللغة العربية تكوينًا بنائيًا أناسيًا احتوى في صلب ارتقائه الأطر العامة لما سبقه من تكوينات ميثولوجية وثيولوجية ومظاهر توحيدية بحيثيّاتٍ أرقى.
لذلك لم تكن الرؤى الاستشراقية التي نظر إليها كتكوين مقدّس إلاَّ منظومة أيدلوجية هدفت بالضرورة إلى مسخ الشخصية العربية في وجهٍ صحراويٍّ جاف، خرج للتاريخ منذ ألف ونيفٍ من السنين فقط، وتشوَّهت سلسلة تاريخية ودفعته بعبثية مرعبة هادفة إلى خلخلة وحدة البنية الثقافية المعرفية العربية وتشويه جذروها التاريخية العميقة في تقسيم للشعب العربي لايستند إلى تأسيس علمي، وغير قابل للخضوع للبحث العلمي أصلًا.
ولقد بدأ ذلك بالتعبير عن منظومته الأيديولوجية في فكر شلوتسر عندما صاغ صفة"السامي"في مؤلفه المعروف والموسوم بـ"فهرس الأدب الشرقي والتوراتي"عام 1781. فقسم العرب إلى ساميين وحاميين، ووضع خطوطًا خاصة لدخول اليافثيين"الآريين"بطريقة أو أخرى إلى نسيج المنطقة ليخلخل بنيتها الاناسية الواحدة بهدف التأسيس اللاحق والسافر لعقد الانتماءات الثقافية"بل والعرقية"لشعوب"المنطقة العربية، وصولًا للتبرير الايدلوجي التالي في المشاريع السايكس بيكويه وزرع الكيان الصهيوني لاحقًا."