فهرس الكتاب
وبالانطلاق شمالًا نحو السودان/ الجزء الجنوبي من وادي النيل/ نلاحظ وبنفس المعطيات السابقة التي تحدثنا من خلالها حول الوحدة الاناسية الجغرافية- التاريخية للساحل الافريقي المقابل للساحل الاسيوي من ضفتي البحر الأحمر، نلاحظ بأن سكان السودان يمثلون خليطًا أيضًا يغلب عليه أؤلئك الذين وفدوا من جنوب الجزيرة العربية، من جانب، ومن الجانب الآخر أولئك الذين وفدوا عليه من الصحراء العربية الكبرى، بعد جملة التغيرات البيئية والجغرافية، حيث جفت الصحراوات العربية والليبية، وتجف كذلك تلك المستنقعات الشاسعة من مياه النيل ويتمدد- بشكل أفضل - مجراه ويصبح من الممكن زراعة أرضه واستغلال مياه النهر في الاستنبات، ويتدفق على الوادي سكان الصحراوين المهاجرين طلبًا لمكان أنسب للحياة والاستقرار. فالتشكيل السكاني"الديموغرافي"الأول لما عرف بعد ذلك باسم"المصريين"في اساسه مرتكز على مهاجرين من شرق الوادي وغربه. وكان من الطبيعي أن يحمل القادمون إلى الوادي ثقافتهم ودياناتهم وأن تكون هذه الثقافة، بما فيها الدين، الأساس الذي بنيت عليه الحضارة المصرية (14) .
ولقد كان من المستحيل ذلك، قبل انتهاء المراحل المتأخرة من العصر الجليدي الأخير، حيث لم يكن مجرى النهر قد أصبح قابلًا للحياة المستقرة، كما أن الصحراوين العربية والليبية كانتا قابلتين للحياة.
إذن تداخلت معنا ثلاثة شروط مترابطة فيما بينها:
1-الجفاف العظيم الذي حلَّ بالصحراء في شبه الجزيرة العربية، والصحراء العربية الليبية الكبرى وهذا ما كان قائمًا في السنين القريبة من العصر الميزوليتي كما بينا ذلك في الفصل الأول من هذا الكتاب، حيث تؤكد كل المكتشفات"كما أسلفنا"على أنها كانت مناطق قريبة من البيئة المدارية.
2-جفاف المستنقعات التي كانت تغطي كل وادي النيل، والتي كان يستحيل بوجودها، التوضع الاستنباتي المستقر.