فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 77

الواقع، يطيب لي الآن أن أتحدث بكلمات قلائل عن شارع الغرام. فأنا أزعم أنه يندر أن توجد مدينة في العالم بلا شارع غرام. وأنه إذا كانت ثمة شوارع في الجنة أو الجحيم، فلابد أن يكون ثمة شارع في كل منهما يحمل هذا الاسم. لأننا بسبب الحب ندخل الجنة تارةً، والجحيم طورًا. وإذا كانت هنالك آلهة للحب والجمال، فهنالك أيضًا شياطين للحب والرغبة أورثتنا الهمّ والعذاب واللوعة. وعلى أية حال، فشارع الغرام في نفقنا لاتقوم على جانبيه الأشجار، كما أنه لا وجود للظلال الكثيفة فيه.. هو شارع هادئ، مسفلتْ، تقصده بائعات الزهور، وتمر به صباحَ مساء الدراجات الهوائية.. دراجات يمتطيها عشاق مسرورون، يشترون الزهور، وحينما يصلون موقعًا معينًا، يسندون دراجاتهم على جدارٍ أو يطرحونها أرضًا، ثم يقتعدون مصطبةً حجرية.. كل عاشق يداعب ثغر حبيبته بغصن الورد. شكرًا لبلدية النفق التي وفرت لنا مصاطب للعشق والتأمل. وإذا توجب عليّ أن أقول الحقيقة، فإن شارع الغرام كان الملاذ الوحيد لشبان النفق. وقد رأيتهم يتوافدون إلى هنالك اثنين اثنين، شبان كانوا فيما مضى ذوي مهن عديدة أو طلبة جامعيين؛ بعضهم عملوا في المسرح، لكنهم الآن باتوا بلا عمل؛ هجروا أقنعة الكوميديا والتراجيديا، يتأبطون مسرحيات بيكيت ويونسكو ومحيي الدين زنكنة.. وإذا كانت طقوس الإخصاب والزواج والولادة والختان قد شحتْ في النفق، فإن طقس القراءة هو الوحيد الذي بقي ملتصقًا بأرواحهم. وكنتُ أسمع بعضهم يردد عبارات معروفة من مسرحيات شهيرة، وأدركت صحة قول أحدهم بأن الممثلين يحيون في المسرح ويعيشون في الحياة.. كما أنني رأيتُ أحدهم يلوّح بمنديل ويركع على ركبتيه ويهز كتفيّ حبيبته بقسوةٍ مصحوبة بالدموع. ما أكثر ماجلستُ هناك مساءً، أفكر مع خليلةٍ حزينة تحت ضوء المصابيح الكابية في مغزى حياتنا، أو أداعب خصلة شعر شاردة من تسريحة ملاك جميل إنما ضائع، ملاك تقاسم معي ساعةً أو ساعتين من مساء خريفي رطب.. ملاك يلخص الشفافية كلها، والعذوبة كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت