فهرس الكتاب
الفصل الثالث
البحوث والدراسات الشعرية
مياسم ديوان الربيع الأسود ومواسمه
على بطاح درعا الفيح، وعلى امتداد سهولها التي تُغريك بحبِّها والإقامة فيها؛ التقيتُهُ في الزَّمن السحيق من هذا القرن الكسيح، يقرضُ الشعر، ويردّدُ أبياتًا ضخمة المعاني لشعراءَ فحول في زمنِ الجاهلية وما تلاهُ من عصور، ويترنَّمُ في إنشادها وتفخيم حروفها؛ إنَّه الأديبُ الشاعر عبد الرحمن الحوراني؟
شبَّ، وشبَبْنا، وتقاذَفَتْنا رياحُ هُوج بحثًا عن بُلِغ العيش المغمَّس بالآمال الكبار، فلا بُلْغَةُ العيشِ ائْتَدَمتْ، ولا الآمال الكبارُ تحقَّقتْ، ووجدْنا أنفسنا تخبُّ بأوْزارٍ ثِقال، وآثامٍ اقَتَرفْناها، كنَّا نظنُّ أنَّ الأجيالَ لن تغتفرها لنا، ومع ذلك رَضينا، ولكنَّ البين لم يرضَ بنا!
التقيتُهُ بعد أكثر من ربع قرن، ضابطًا متقاعدًا من قوى الأمن الداخلي، في قريته النائية"طفس"من أعمال درعا بين كتُبِه ودفاتره. أطرحُ عليه أسئلة كثيرة، ويجيبُ عليها بسُخريته المعهودة التي تُنبيكَ عنْ ذكاءٍ متوقِّد، وخبرةٍ بالناس والزمان، وكأن الماضي المشرق اختفى من آفاقه، وخيَّمَ الشؤمُ والقتامُ على مستقبل الأيام .. أُذَكَّرهُ بمقطَّعاته الشعرية التي ما زالت ترِنُّ بذاكرتي، فيجيب مُتلهِّفًا وقد أشرق فكرُهُ، وتهلَّلتْ أساريره، بجملٍ سحريةٍ راحتْ تتدفق من لسانه الذرب، ومد يده إلى مكتبته، ليفتح دفترًا أنيقًا راح يُنشدني مِزَقًا من روحه التي نثرها على صفحات الورق، فأشجاني ... أسألُهُ المزِيدَ، فيقولُ: إِلَيْكَ دِيواني"الربيع الأسود"فأقرأ به ما شِئْتَ.
-لِمَ لم تنشرْه؟
-لأنِّي ضنينُ بفضيحة بنات أفكاري!