فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 157

-ما دارً في خلدي يوما أنَّكَ تبخلُ بعطاءٍ يا أبا أَيهم؟

-أخي علي: بناتُ أفكاري ثكالَى مُسَرْبلاتُ بالسَّواد من أيَّام كربَلاَء!

-ومَا العيبُ في ذلك إذا كانتْ هي هكذا؟ إنَّ مَنْ لا ينشر ما كتب، كَمَنْ ينتحرُ بمدادِ دَواته.

-لا بأس، اقرأهُ. واكتُبْ عَنْهُ، فإنْ أَعْجبني ما تكتُبُ، فَلرُبَّما أتحمّس وأدفعه للنشر.

حملتُ مخطوطة الديوان وعدتُ إلى محترفي، ورحت أتجوَّلُ عَبرَ الربيع الأسود فلم أتركْ شوكةً من أشواكه إلاَّ واستنطقْتُها، أو وردةً ذاويةً إلا استفسَرْتُها عن سبب ذُبولها، وعند ما استويتُ على بُركانِ التَّلقِّي المبدع للتجربة الفنية الحورانية، تناولتُ ريشتي لأدوِّنَ بصورة واعيةٍ ما عاشه الحوراني بصورةٍ غير واعية، ووجدتني أنزفُ فأقول: الربيعُ الأسودُ؛ باقة من الأوراد الحزينة الذاوية، وسط حقول الشتاتِ والضياع. وصورةُ من صورِ التمزُّقِ الإنساني حينما تعصفُ بالمرءِ رياحُ الغُربة والشقاءِ، لتقذفهُ فريسةً لبراثنِ الوجع البشري والمعاناة السرمدية.

ووجدتُ في الربيع الأسود؛ ملحمةً للضياع البشري في وهادِ الانسحاق على أشواك المسؤولية القاسية، حينما يجدُ الإنسان أنَّهُ يمتلكُ شيئًا واحدًا هو ألاّ يملك، في زمن تدهورت فيه القيمُ، وتحطمتْ المبادئُ، وانتصبتْ صواري الزِّيف والبهتان ماردًا يُدمِّر كلَّ دوافع الخير والكرامة في الإنسان على أرضه وفي وطنه بين أهله وذَويه.

ورأيتُ في الربيع الأسود صورةً من صور الانسحاق البشري تحتَ عجلاتِ الغُربةِ بين الأهلِ والأصدقاء الذين أعمتْهم شهوةُ السُّلطة والتحكُّم في العباد، وتفسخت أخلاقُهم تحتَ وطأه لهيب سياط الجاه والسلطان والفسادِ، وكلِّ أتعاب المشيخة والسيادة والإمارة، وجميع أسماء التعجب والإشارة.

وتمثَّلتْ أمامَ ناظريَّ خلال قصائدِ الربيع الأسود؛ معركةُ النَّقاءِ الإنساني البَكْر، حينما تقذِفُ به، إلى أو حال الرقِّ والعبودية، قوى عمياء شرسة، فتجعلَ تنفُّسهُ مُستحيلًا، وتحرمُه حتى من صَفاء أحلامه، وتطرحهُ على عفنِ الأرصفة وأقذارِ الساحات خرقةً باليةً، وممسحةً لأحذية كِلاب السلطان، وتحرِّم عليه حتى شعورهُ بتفاهته ومهانته، إلاّ بسلطان.

وتتفجر في الربيع الأسود مأساةُ الإنسان العربيّ المعاصرِ الَّذي تطحنه أجهزة إعلام الخلافة الشرسة، فتلوكهُ بين أشداقِها وتبصقُهُ علقةً مسطحة، تكتبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت