فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 157

عليها اليوم ما تنقضُه في الغدِ، وما تكون قد مسحتهُ بالأمس، فتجردهُ من عقله وحواسه وقيمهِ البشرية المشروعة، لتزرع فيه الكفر بالماضي، والهلَعَ من الحاضر، والخوف من المستقبل، إذا بقي مستقبل! وتُّفجرُ فيه الحقدَ والقرفَ، وتبذُرُ في أعماقه الكُرهَ لنفسه ولمن حوله وللعالم أجمع ... وتسلِّطُ عليه جرافاتِ الدعاية (الجبنة أبي الولد الطَّيَّبة) و (معجون الحلاقة الناعم) (وخيّال مارلبوروالمِقْدام) وتصفُعُه صَحُفُ الصباح لتبصقَ في وجههِ وتقنعَهُ بغبائه وسذاجته، بمفرداتها المثقوبة كالأحذية القديمة، مفردات العهر والهجاء والشتيمة، فينبطحُ جيفةً نتنةً، تنبعثُ منه روائح التفسُّخ والغربة، والانحلال والشقاء والإفلاس.

والربيع الأسودُ"منشيت"عريض بجيل النكْسة بعد النكْسة، والهزيمة بعد الهزيمة، لأجيال العَبَثِ والاغتراب والضَّياع، تنفيذًا لمرسوم من الباب العالي والبلاط السامي؛ بإقالة فكره، وقلبه، وحواسه الستْ،. وتوظيفه بمرسومٍ آخر في جوقة النباح من المساء حتى الصباح على أن تتوفر فيه مواصفات فنية وتعبوية أهمها:

-ألاّ يرى إلاِّ بمنظارها.

-وألاِّ يسمعَ إلاّ كِذبها.

-وألا يتنفس إلا من زكامها.

-وألا يقتاتَ إلاَّ على علفها.

-وألاَّ يشربَ إلاَّ من أوحالها.

-وألاَّ يحسَّ إلاَّ بقرون استشعارها.

-وألا يحلمَ إلاَّ بأضغاثها.

-وألا يعبد إلاّ صنمها، واحدًا أحدًا لا قبله ولا بَعْدَهُ وإلى الأبد. والبلاطاتُ التي تَمُنُّ عليه بالحياة، وتُفضِّلُ عليه حين تترُكُه يعيشُ كالكِلاب وأردأ، لا تريدُه إلاَّ ظلًا لأوْهامها، وصدى لِنْرجسيتها، وشبحا لتصوراتها، ومشجبًا تعلَّقُ عليه خيبتها وفشلها وهزائمها، وشاهد زُورٍ وهي تتقلدُ أوسمةَ مُعاهداتِ استِسْلامها، وأوشحة انتصاراتها الدونكيشوتية الدراماتيكية المزعومة في عالم هباء، أسموه"العالم الجديد".

وقرأت في الربيع الأسود قصة التاريخ للإنسان العربي المهزوم أمام معطيات الحضارة المعاصرة، حينما تهتزُّ أمامه صورة العالم الظالم، وهو يريدُ له أن تصبح الهزائم محافل انتصار، والانتحارُ على مذبح الفرقة والشتات زَهْوًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت