فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 157

وأكاليل غَار، حين يتطاولُ الأقزامَ فَيُظنُّ أنهم مردةُ وأبطال ويصبح الصعاليك عمالقةً، والمومساتُ حرائر والعُهر مبادئًا، وأقبيةُ البغاءِ ساحاتِ بطولة، وقاعاتُ الرَّدْح ميادين نضال، ومؤتمراتُ المنتجعاتِ للاستسلام شريعةً واستبسالا .. في قصور ألف ليلة وليلة.

وفي الربيع الأسود صورة للإنسان العربي المُستباح أرضًا وعرضًا، وقد جفت منه الدموعُ، لأنها أكبر من مساحة الأجفان، واستُنزفت منه الدماء، لأن الجراحاتِ أوسعُ من حجم الطعناتِ وهولها، فانكفأ على وجهه ينكش الأرض بحثًا عن الديدان والطحالب، واغتصبتْ الحريةُ على امتداد ساحات الوطن وتحولت إلى مشانق سوداء فأجهضتِ النساء، وجفتِ الأرحام، وخُصيَ الرِّجال، واحترقتِ الأشجار .. وسقطت السَّماء، ومات الله والإنسان في موجةِ التنازلات والمفاوضات والاستسلام.

واكتشفت في ديوان الربيع الأسود موت الإنسان البشر، وبعث الأدميَّ الرقم، رقم يُسَوِّدُ بياضَ السِّجلات، ويتهالكُ على أرصفة المؤسسات والجمعيات ....

ويُصلبُ على أبواب الأفران في البرد القارس والشمس القاتلة، وينبطحُ على عتبات الهجرة والجوازات المقدسة، وتجفُّ أوصال الحياة من جسمه على بلاط المستشفيات.

والربيعُ الأسودُ، ديوانُ شعرٍ أبيض لأديب مغمورٍ لا تعرفُهُ الصحف والمجلات، لكنّ جذوره ضاربة في أعماق ضمير الإنسان العربي اينما كان على أرضه المستباحةِ، وفروعه تنتصبُ بشكل مأساوي في وجدان المواطنِ المُبعثر تحتَ أعقاب الكعوب الحديدية لجنون السلطان ذي الطلعة السَّنية، تسحقه بوحشيةٍ فظة، وغباءٍ منقطع النظير، حتى في أقبية الحدائق المعلقة في بابل، وتحاصُره حتى في المنام والأحلام، وتسحقه في اليقظة، وتقطع أمامه كُلَّ سبيل إلى الخلاص، وتسُدُّ عليه كلَّ طريق للنجاة، وتهرسُه وتهزِمُه دون أنْ تترك له فرصة للتفكير ولو ببصيص أمل، ولو لحظة يستجمع بها خيوط الصبر، حتى الصبر يلوكُه ويبصقه.

وديوان الربيع الأسود، وردة بيضاء كالصبح، وزنبقة نقية كالطل في مقبرةٍ قديمة تغصُّ بالجثثِ المتفسِّخة، والأنقاض المتراكمة، تتطاولُ للانتصابِ فلا تقوى، وتحاولُ الوقوفَ ولكنَّ محاولاتها تذهبُ أدراجَ الرياح، إنها أورادُ عِجَافُ في ربيع أسودَ وزمنٍ أغبرَ، تلفُّها دوَّامة من القلقِ النُحاسيِّ على إيقاع ساعة زمن توقفتْ منذ زمن بعيد قبل أن تبدأ في (الكامب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت