فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 157

هذا هو ديوان الربيع الأسود للشاعر المُجدِّدِ عبد الرحمن الحوراني، تعتورُ هذا الديوان قصائدُ ملحمية لنفوسٍ إنسانية حيةٍ، في ظروفٍ غير إنسانيةٍ، لا تُتيحُ لها التنفس حتى من تحتِ الماء، من تحتِ الأنقاص بين غُبارِ الهزائم، وتعّبرُ هذه القصائدُ بصدقٍ منقطع النظير، ووفاءٍ يستَلُّ الاعجاب لهذا الجيل العتيد، تصل إلى حدِّ الفجيعة عن صمودِ الألم أمامَ جحافلِ التَّتار.

ويحاولُ الشاعر عبد الرحمن الحوراني أنْ يكسو قصائد ديوانه بغلالةٍ سديميةٍ من نقاءِ الإنسان العربي وانفعالاته الحيَّة، قبل أنْ تُدَنِّسَهُ بهارجُ السلطة، أو ْسياطُ أمير المؤمنين، ولكنها على الرغم منه تبدو ومُطرزةً بخيوطِ الشقاءِ، ومُوَشاةً بأهداب الإنسحاق والغربة. وَيَتلامحُ عَبْرَ جرْسِ انفعالاتها المبحوحةِ وَقْعُ أقدام الغُزاة الطامعين من خُلفاءَ وأمراء وسلاطين، وسلاجقة وتتار وعثمانيين، وطوابير بغاةِ صهاينة وصليبيين.

وتتوزع قصائدُ الديوان على ثلاثة أبواب كما أرادها الشاعرُ، وكلُّ بابٍ يتضمنُ مجموعةً من القصائد تُشَكِّلُ اتجاهًا واحدًا تقريبًا. وتتصدرُ الديوان قصيدة بعنوان:"عيدُ ميلادي"ويا له من عيد ميلاد، مُفعم بالأسى والحرمان! حيثُ تنساب كلمات القصيدة من شق_ِّ ريشةٍ اعتادتْ أصباغ المرارة، وألوان الضنى، فغرقتْ خُطوطُها في بحرٍ من الحزن الأبدي والشقاء المُقيم. يتجوَّلُ الشاعرُ في تضاعيفِ القصيدة بين البيت والمعبد والوظيفة أو القيد كما شاء له أن يُسميها، كألوف البُسطاء التاعسين، ويعود وكل زادهِ لعنةُ يصفع بها وجه الحياة، ومولده، والزَّمن، وهكذا يصبحُ العُمْرُ كلُّه لعنةً، تُطارده المصائر الشقية التعيسة:

غدًا عيدي

عيد ميلادي

ستفرحُ زوجتي فيه، وأولادي ..

وأطفئ شَمْعَ أعْوامي

شمعةً، شمعهْ ..

ويجيشُ في وجدانه قهر عميقْ

قهرُ يُشابهُ طعمُهُ، طعْمَ الحريقْ

فيرتفعُ وجهه نحو السماء

ويلعنُ الكونَ الصفيقْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت