فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 157

حكتها عجائزُ ماتتْ من زمان، ولكنها ظلت تتأرجح على حبال الذاكرة مع اهتزاز ظلال نيران المواقد في كهف الشتاء. إنها رجعُ أصواتِ معلم، نبراتهُ المؤمنة المبحوحة على شفير الاخلاص ومذبح العطاء تصافح عيون أطفال صغار. صور من صور الشعب النقي الذي تخرجُ من بين أفراده أرتالُ من الأنبياء، يضيئون المشاعل لعصور الازدهار:

واساطير العجائز ... حول مدفأة الشتاءْ ..

وتعاليمُ المعلم .... للصغار الأبرياءْ ...

إنَّنا شعبُ نقيٌ وتقيٌ .... كان مِنَّا الأنبياءْ ...

دَمُنا صاف ...

وأعطينا الحضارة والألقْ،

قبلَ ... أو بعد الغرقْ ... والبقاء

ويلتَمعُ ضبابُ الحلمِ بشكلٍ خاطف، ليقتلعَ الشاعرَ من جذوره، ويُلقيهِ في وَهدة اليأس، والمعاناة، تصفعُه رياحُ الهزيمة المفجعة، فإذا سيفُهُ قطعة من خشبٍ، وحصانه هيكل من قصبٍ، يُجابهُ بهما معركة التحدي، وأَنْواءَ القدرِ التي لا ترحمُ الضُّعفاء:

كانَ سيفي قطعة من خشبْ ..

وحصاني هيكلًا من القصبْ ..

بهما أصمدُ في وجهِ التتار ..

والتحدي والغضبْ ...

أَجْبَهُ القدر الذي لا يرحمُ الضعفاء

وأُخوضُ في اللَّهبْ ...

إنَّ روحَ الشاعر اليقظة، وعقلهُ الباطن الواعي، يرفضان الهزيمة، ويتمردان بعد الانهيار الموجع، فإذا به يصمدُ في معركة التحدي في مواجهة التتار. وكأنه بذلك يستشرف نُبُوءةَ مُستقبلٍ تنتصرُ به إرادةُ أمَّته، إرادتُه حتى ولو خوَّضَ في اللَّهب.

في خضم هذا السيل الجارف من الآلام والمواجد، لا يفقد الشاعر إيمانه، يل تظلُّ قواعد الإيمان صُلبةً شامخةً في ضميره، تكسوها مِسحة صُوفية شفافة، وثقة لا تحدُّ بالأصولِ العربية العريقة التي يجري نُسغُها في عروق الشاعر، فتجري على لَسانه آياتُ كِتابِ الله لقَوْمِه والعالمينَ، مُسْتَجيرًا بها من حَمَاقة أمير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت