فهرس الكتاب
لأصحابهما ونشرهما، قاموا ببيعهما لمشايخ الخليج بعد أن نحلوها لأنفسهم وقبضوا ثمنها بخسًا لا يُسمن ولا يُغني من جوع، نقولُ ذلك للانتباه إلى مثل هؤلاء العواسج على الأدب والأدباء الذين باعوا ويبيعون هذه الأمة وتراثها في أسواق النخاسة وبأبخس الأثمان. فهناك وبحدود علمي محاولات شبيهة بتلك المحاولة البغيضة، وإنْ كانت بأساليب مغايرة، تجري فصولُ مهزلتها على الساحة هذه الأيام.
طرائقه، وأساليبه معروفة وتكاد تكون مُقننةً ..
1)يبدأ هذا الفن من فنون الشعر بالتحية والسلام على الحاضرين، لأنه ما قيل ليُدون ويكتب، بل ليقال ويُنشد. ثم يتجه الخطابُ للرفيق أو الصديق أو النديم الذي قلما تخلو قصيدة منه. وقد يكون هذا النديمُ المخاطبُ إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا على أساليب التشخيص، للبث والنجوى، وليُسري بهذا عن نفسه وما يعتلجُ في خاطره، فيشكو إليه النصبَ والهجر والنوى، وما يشغلُ باله ويعني قلبهُ من حبِّ، وما يعتملُ في نفسه من أشجان، وما يدور في فكره من أحلام. وربما يكون ذلك جسرًا ينتقلُ عليه إلى الحكمة وغيرها.
2)ثم يقتحم باب الحكمة والموعظةِ، فيُلخِّصُ الشاعرُ لنا تجربته الحياتية، ويرسم لنا صورة عن عالمه الداخلي، وما يمورُ به خياله الخصبُ من صور وتلاوين لمجريات الحياة. وما يحملهُ من تصورٍ لقيم يؤمنُ بها ويتبنَّاها، ويتمنى أنْ تظل ثابتةً في المجتمع حوله، ماثلةً للعيان، تتعاورُها الأجيال.
3)ثم يُعرِّجُ الشاعر على موضوعه الأصلي من القصيدة - بعد أن يكون مهَّدلة ببيتٍ أو بيتين من الشعر ينتقل عليهما- كالمديح والفخر والرثاء والهجاء والغزل وغيرها من الفنون والأغراضِ التي تُشكلُ هاجس الشاعر .. وكثيرًا ما يُطيلُ الحديث في هذا الموضوع، فيُقلِّبُه الشاعرُ يمينًا وشمالًا، ويُفتِّقُ أبوابَ القول حوله، حتى يوضحهُ ويجلوَ معانيهِ، ويزيل اللُّبسَ عنه، هذا إذا كان الموضوع مُناسبًا والريحُ مُواتيةً ... وقدْ يقتصرُ القول ويختصر الكلامَ أحيانًا، ويُعمِّي طريقة العرضِ ويورّي، ويُكنِّي، ويغمزُ، ويهمزُ إذا كان العرضُ أو الموضوع يتناول عيبًا أو مثلبًا أو خصلةً غير مستحبة لا يُريدُ الشاعرُ أن يفتضحها ويفضَّ استارها، إذْ يربأ الشاعرُ بنفسه أن ينطقَ بها أو أن يصر_ِّح بها، كيلا يُسجِّلَ على نفسه مَيْنًا أو شيئًا لا يريدُه ويترفعُ عنه.
وقد حفظ لنا هذا الباب من القول صورًا خالدةً من تاريخ أهله وغزواتهم وحروبهم، كما حفظ لنا صورًا من خفق أفئدتهم، وذوب قلوبهم التي"أبتعثها"