فهرس الكتاب
فيهم الحبُّ، وما يؤدِّي إليه من وصلٍ أو هجرٍ، ومن سعادةٍ أو شقاءٍ، ومن لذةٍ او غصة". وكأن الشاعرَ سِجل لحياة قبيلتهِ، ومجمعُ لمآثرها، ولسانُ حالها الذي يُعبرُ باسمها، ويذب عنها، وينشر محامدها وفضائلها وقيمها وممادحها على الناس، ويجلو أيامها ومواقعها وانتصاراتها على الملأ."
4)وربما سلى الشاعر نفسه عن همومه بعد ذلك - إذا ارتاب بعدم تحققِ مسعاه- بجسرةٍ ذمولٍ تقطعُ الفيافي وتختصرُ البوادي، يُطربُه وقع مناسمها على رمال الكثبانِ وهي تطوي المسافات طيًا .. وربما عَنَّ على باله الصيدُ والقنصُ، فيعرضُ علينا آنئذٍ صورًا لقطعانِ الظباءِ السوانح، يُطيلُ الحديث في وصفها ويخصُّ العنودَ منها، وكثيرا ما يعقدُ الصلة ما بينها وبين محبوبته التي خلفها بعده على نار الجوى ... وربما ... وربما .. وربما ...
5)ثم ينهي قصيدته بأبيات من الحكمة تخصُّ موضوعهُ، يُضمنها عُصارة تجربتهِ وخلاصة القول الفصل فيها .. ولا بد في كلّ الأحوال بعد ذلك من بيتٍ أو بيتين أخيرين من الشعر يختمُ بهما قصيدته يتركُ بهما انطباعًا حسنًا في نفوس سامعيه، وأثرًا لا ينمحي وصولًا إلى غرضه، يُعرِّجُ بهما على حمدِ الله وشكرهِ خالقِ الأكوان ومدبر الحياة، ومن ثم الصلاةُ والسلامُ على نبيه المصطفى العدنان. وإلاّ اعتبرتِ القصيدة دونهما ناقصة مرذولة. مهما يكن دين القائل ومذهبه وعقيدته.
هذا هو ذا المخطط العام لعمود هذا الفنِّ من فنونِ القول، مع بعض التفاوت بين قصيدةٍ وأخرى في بعض الأحيان. تزيدُ أو تنقصُ تبعًا للنفسِ الشعريِّ ورغبةِ الشاعر.
لغةُ الشِّعر هذا
إذا قرأنا هذا الشعر نُحسُّ للوهلةِ الأولى بجسوته وقسوته"وقد ننكر منه بعض ألفاظه التي لا نألفها .. غير أننا لا نكادُ نجاوز عدم الإلفِ هذا، ولا نكادُ نُخلي بيننا وبين حاضرنا الذي نعيش فيه، ولا نكادُ نخالطُ شعراءَه ونتعرفُ إلى ألفاظهم ومعانيهم .. لا نكادُ نفعل ذلك حتى يبدو لنا هذا الشعرُ جميلًا يجتذبُنا إليه بعد أنْ كنا ننفرُ منه، ونقتربُ إليه بعد أنْ كنا نبتعدُ عنه ... ونحسُّ أنَّ النفوسَ التي صدر عنها نفوسُ رقيقة دقيقة، تمتلك قدرًا غير يسيرٍ من رهافةِ الإحساس وجمالِ الطبع، كما تمتلِكُ مثلَ هذه القُدرةِ في حُسن البيان وجمال الأداء" [1]
(1) انظر كتاب تطور الغزل للدكتور فيصل صفحة 19 مطبعة دار الحياة 1965.