فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 157

ولغة هذا اللون من الشعر هينة لينة طيعة ليستْ قصيدةً ولا مقننة، لا تحكمها قواعدُ ولا يضبطها صرفُ في كل الأحوال. ويختارُ الشاعرُ من الألفاظ والتراكيب العامية، وما يقاربُ الفصحى حينًا وما يجافيها ويجانِفُها في كثيرٍ من الأحيان، دونَ أن يُكلِّفَ نفسه عناءَ البحثِ والتنقيبِ ومساءلة معاجم اللغة. فهي- أي اللغةُ- لينة مطواعة بين يديه كالصلصال أو العجين يصنع منها ما يشاء، ويصوغ بها كلَّ ما يخطرُ على باله من بال، دونَ أنْ يرهقَ نفسهُ أو يعني ذاكرته بنحوٍ أوصرف.

ويأخذُ من الصيغ، ويستعمل من التراكيب ما يراه هو مناسبًا، وما يفكرُ فيه ويريده، دون حذْوٍ يحذوه أو قاعدةٍ يتقفاها ... وكثيرًا ما يبتدعُ من المعاني والألفاظ والتراكيب الجديدة كل الجدة حسب مُبتغاه، بل وربما عبر عن المعنى بلفظةٍ شبيهةٍ باللفظة الأصلية بطرفٍ قريبٍ أو بعيد، مع بقاءِ قرينةٍ تدلّ على المعنى الأصلي.

وربما كان هذا اللونُ من الشعر أقدرَ الفنون الأدبية الأخرى على التعبير عن ما يختلجُ في النفوس ويعتملُ من الأفكار، ويواجه من مسائل حياتيةٍ، لسبب مهمٍ جدًا، وهو أنهُ يُكتبُ باللغة التي نتكلمها ذاتها، ونتخاطبُ بها، وهذه نقطة تفوقٍ تسجَّلُ له.

فالكُتَّابُ والشعراءُ العربُ يُعانونَ من انفصامِ شخصية اللغة التي يستعملونها، فهم يكتبون بلغةٍ، ويفكرون ويخاطبون أباءهم ونساءهم وأبناءهم وحبيباتهم بلغة أخرى. هذه الأزدواجية بين اللغة الدارجة المحكية اليومية، واللغة التي يكتبون بها، تشطرهم إلى نصفين، وتشوهُ كثيرًا من المعاني التي تتحرك في خواطرهم وتتماوجُ في أخيلتهم عند محاولاتهم لتدوينها على الورق.

إملاؤه وتدوينه ..

هنا تكمنُ المشكلة الرئيسة في هذا الفنِّ من فنون الأدبِ بالذات، وإليها يرجعُ سبب تخلفِه وجمودهِ وعدم تطوُّرِه، ولحاقه بمختلف الأشكال الأدبية الأخرى. ألا وهي الحيرةُ أو الصعوبةُ في كتابة هذا اللون من الوانِ القولِ وتدوينه.

ومجملُ القضية يكمنُ في أنَّ هذا الشعر نشأ في الزمن السحيق من الجاهلية الأولى قبل عصور التدوين، حيث كانت المشافهةُ هي الوسيلة الوحيدةُ لنقلِ المعارفِ الإنسانية وتدوالها، وهذا ماجعل تدوينه فيما بعد صعبًا، لأن هذا التدوين يحتاج إلى قواعد وأصول غير متيسرة، وغير تلك المتعارف عليها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت