فهرس الكتاب
إلى أرضٍ مجهولة، وقالت:"إنّها تبعثُ برسالتها من البحرِ، من مرفأ رست سفينتها فيه لتستأنف المسير إلى ميناءٍ آخر لم تذكر اسمَهُ، لأنها تريدُ أن ترسو بأحزانها لوحدها"، إنّها تهرب من الجميع، بعد أنْ ارتكبتْ جريمة قتلٍ كما أسمتهْا ... ولكن من قتلتْ؟
كتبتْ تشرح الأمر قائلةً:"لقد قتلتُ صديقكَ الطبيب .... قتلتهُ دونَ قصدٍ"ودون أن تقترب منه طبعًا ... وكدتُ أظنُّ بها الجنون، لولا ما فسَّرت به قولها: فقد كان هو ... هو فتاها الأول .... ورغم أنّه مات لديها قبل أن يموت تحت وطأةِ المرض فإنَّها تعتقد أنّهاهي القاتلة ... قتلتهُ إذ رفضت عودَته إليها! ...
"مسكينةٌ إيناس، الشعورُ بالذنبِ، الشعورُ بالإثمِ يلاحقانها، وهي لم ترتكِبْ أيَّة إساءةً في حقِّ أيِّ إنسان ... وهي لم تؤذِ أحدًا ..."
كيف أقنعت أمَّها بالذهاب؟! سأعرف أين ستستقر وسأجبرها على العودة إلى الوطن؟ وأنا لماذا أبقى مشتتًا ضائعًا، لابُدَّ لي من العودة إلى أهلي، إلى شُرفتي لأبدأ من جَديد ...
وقفل عائدًا إلى مدينته ... وهناك أخذَ يحسُّ بالصمت المقيت ... لا رساله، لاحركة، لاشيء مطلقًا ... وراح يُعلِّل نفسَه بعودتها، فهو لم يقطع الأمل، وهي أمله ورجاؤه، وأخذ يتساءل: من يدريني كيف ذهبت تلك العجوز معها؟
مالذي سيحل بهما لو أصاب أحدهما مكروه؟
أمُّها امرأة ضعيفة عجوز، وهي نقطة الضعف في فرار إيناس، ولابُدَّ أنَّني سأنفذُ من نقطةِ الضعف هذه ... لأنَّ الأمَّ لنْ تستطيع العيش في الغربة ... وهي تحبُّ أمها، فلابُد أن تعودَ بها يومًا ...
وسافر إلى قرية إيناس، ليقف أمام سكِنها يندُبها، ويُناجي حديقتها وظلالها كما وقف الجاهليون على الرسوم والأطلال يناجونها ويستنطِقونها ... لا يكاد يفارقها حتى يعود إليها ... وبعد زمنٍ انطلق إلى لبنان، لكنَّه لم يستمرئ الإقامة فيه .... لذلك عادَ إلى بلده إلى أهله على هودجٍ من الأسى والوجع والضيق ... وأغرق نفسه بآلاف من الأسئلة المحيرة تتعلق بأملٍ ممطولٍ وعودةٍ لن تتحقَّق ... وظلَّ ينتظرها، وينتظرها مادام كوكُبنا يدور، وشمسُنا تتدلى عناقيد نور ... وسيظلُّ ينتظرها إلى أن يرث الله الأرض وماعليها.
هذا هو مجمل رواية"الحب والوحل"للدكتورة إنعام المسالمة التي تختلف في تقنيتها فتخرج عن الخطِّ الكلاسيكي لمعظم القَصص والروايات العربية"،"