فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 157

"معرفة، فاستلطاف، فحبٌّ، فزواج"... إنَّها مأساة اجتماعية ذات أبعادٍ إنسانيةٍ ونفسيةٍ وفلسفيةٍ، تفسِّر شكل رؤية الروائية إنعام للحياة التي تتلخص بالصِّدق، والوفاء والحب القاتل، والثورة على القديم الرثِّ لصالح قيمٍ جديدةٍ تتبنَّاها وتسعى لتثبيتها.

لذلك يظل القارئ لهذه الرواية يلهثُ وراء الحدث والعرض الروائي المشوّق، وبلهفة بالغةٍ للوصول إلى ميناء يرسو معها فيه، وإراحةِ نفسه المضطرمة اللاّهثة من تتابع الأحداث في حوارٍ حيٍ وساخنٍ، ولغةٍ متمكنةٍ من استكناه أبعد الحركات النفسية غورًا في داخل الإنسان، فلا النهايةُ تأتي، ولا الحدث يتوقف حتى السطور الأخيرة من الرواية، حيث يجدُ المرء نفسه على تخومِ نهايةٍ تتوالد منها بداياتٌ واحتمالاتٌ لها أوَّل وليس لها آخر ... يصلُ إلى خاتمةٍ إنّ صحّت التسميةُ إلى لا نهايةٍ حُبْلى بآلاف الاحتمالات والتوقّعات ... وهذه نقطة التفوق في هذه الرواية، لأنها تترك للقارئ دورًا يشارِكُ فيه في صنعِ النهاية التي يريدُ.

نقطة أخرى لم توفق بها"رواية الحب والوحل"وهو اسمُها غير اللاَّئق للرواية، إذا لم يحالف الحظُّ الروائية إنعام في هذه التسمية، إذ كان حقُّها أن تسمى الحبُّ والغمام أو الحبُّ والسماء أو الحب والطهر ... لأنَّ شخوصَ الرواية عيِّناتٌ نظيفةٌ جدًا من البشر، لاتتلاعبُ بهم عواطفُ هوجاء تخرجهم عن وقارهم ونظافتهم، حتى حين يختلطون في أجواء تستدرج البشرَ للوقوع في الآثام ... يظلُّون طاهرين أنقياءَ من الداخل والخارجِ لا تتسرَّبُ إليهم الشُّبهاتُ أو الظنون.

تدخلهم إلى مخبرِها الروائي فتكسوهم لحمًا وخلقًا سوّيًا، وخُلقًا نقيًا ... وترسمُهم، من الخارج كما ترسمُهم من الداخل ... إنَّها تكتبِ في عالمٍ نظيفٍ عالمٍ معقَّم، ربَّما تسرَّبتْ للروائية هذه النظافةُ من مهنتها كطبيبة أسنان، أو لأنَّها أحاطت نفسها بسياجٍ عالٍ من القيمِ التي ورثَتْها نتيجةً لتربيتها البيئية الرفيعة.

إلاّ أن مأخذًا واحدًا يؤخذُ على شخوص رواية"الحب والوحل"هو الصرامةُ الحادة التي تفرضُها عليهم المؤلفة فتلوي أعناقهم وتُخضِعهم لصالح هدفٍ مرسومٍ، وتوظِفُهم لخدمة ذلك الهدف.

وأمّا اللُّغة التي كُتبت بها الرواية، فلغةٌ جميلةٌ، ترقُّ في مواقف الرقِّة، وتقسو في مواقف القسوة، وتعنفُ في محاسبة الذات، وأزمة الضمير .. فإنعامُ في روايتها متمكِّنة من عِنان اللغة، فهي بين يديها ليَّنةٌ، طيِّعة، عجينةٌ تصنع منها ما تشاء، تُكوِّرها، تدوِّرُها، تمدُّها، وتقصرُها بحذقٍ ومهارةٍ، وقلما نبتْ كلمةٌ هنا، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت