فهرس الكتاب
ومن عجب أن تجد أحد هؤلاء لا يفقه بابا من أبواب الطهارة، في متن من متون الفقه، وإذا قيل له: إن الإمام أبا حنيفة أو الإمام مالكا أو الإمام الشافعي أو الإمام أحم بن حنبل، قال: كذا وكذا، شمخ بأنفه ساخرا وقال: هم رجال ونحن رجال! وقد قلت لأحدهم في بعض المناسبات: نعم أنتم رجال مثلهم في الذكورة، أما في العلم فبعدكم عنهم كبعد الثريا عن الثرى.
ولقد سد الإمام الشافعي رحمه الله الباب أمام أدعياء العلم الذين يدعون الاجتهاد، والاجتهاد عنهم براء، فبين رحمه الله الشروط التي يجب أن تتوافر في المجتهد الذين تطمئن الأمة إلى اجتهادهم، فقال:
(ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصة، وإرشاده.
ويستدل على ما احتمل التأويل بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب.
ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبت.
ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتا، فيما اعتقد من الصواب.
وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك.
ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك، إن شاء الله.
فأما من تم عقله، ولم يكن عالما بما وصفنا، فلا يحل له أن يقيس، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه.
ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة، فليس له أن يقول أيضا بقياس، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني.