فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 160

فقضية التفرد في أصلها اهتم بها المحدثون وشغلتهم، وبذلوا فيها جهودا عظيمة جدا في جميع جوانب الرواية، لكن مشكلة الباحثين هي أنه يغيب عنه بعض القواعد التي هو -نفسه- يطبقها في جانب آخر. خذ مثلا: عند المتقدمين والمتأخرين: بأي شيء ترتفع جهالة الراوي؟ برواية اثنين. هذا الموضوع مرجعه للخوف من التفرد. ولهذا الأئمة اهتموا بالوحدان وسجلوا من ليس له إلا راوي واحد.

هذا كله نحن نسلم به لكن بعض الباحثين إذا جاء إلى تفرد الراوي في الحديث أبى. وسببت هذه القضية عنده مشكلة، بينما إذا نظرت إلى عمل الأئمة رحمهم الله حتى وهم في زمن الرواية، يبجثون عن طرق تزيل الغرابة وترفع التفرد. إذا جئت للجرح والتعديل نصفه مبني على قضية التفرد، كم من راو قالوا: يروي مناكير؟ كم من راو قالوا: لا يتابع عليه؟ كم من راو قالوا: أحاديثه غرائب؟

نحن نسلم بهذا ونقبل كلامهم في الرواة ثم نتلكأ قليلا في كلامهم على الأحاديث نفسها!. إذن هذا الموضوع الذي يدخل في الإطار العام الذي فطر وجبل عليه الإنسان من أنه -بنفسه- ضعيف. هناك من ينقل إجماعات مثل الترمذي وابن عبد البر والقرطبي وابن قدامة في المغني، ينقلون إجماعات مع وجود المخالف لأن مثل هذا يعدونه شبه إجماع، يعدونه إجماعا.

إذا جئنا إلى هذا الموضوع في هذا الكتاب نجده حاضرا بقوة، بالدرجة التي -بحمد الله- نضمن سلامة المنهج ونعتز به، أيضا ندرك هذين الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة، ومن ترى في الكتاب من سائر الأئمة.

عندنا عدد من القضايا نتكلم عنها في درس اليوم، بعد المقدمة التي قصدت بها إيضاح دخول موضوع تفرد الراوي بالحديث في ضمن منهج النقاد -رحمهم الله- في الرواية والنقد وأصول منهجهم -هم-، في ظل الإطار العام للحياة كلها. دائما التفرد في أي شيء في النقل، في الرأي، مظنة الخطأ. لم الناس الآن يلجأون إلى برلمانات ومجالس شورى وكذا وكذا؟ خشية من الرأي الواحد. الرأي الواحد مشكلة في جميع الأمور، وأكثر مشكلات الإنسان بسبب الآراء المفردة، خوفا من مثل هذه الأمور انتهى الناس في وقتنا أنه لا بد من الجماعة، الشورى. وهكذا منهج المحدثين.

لا نريد من الطالب أن يكون ناقدا إماما، نريده فقط أن يتمعن، أن يتربى على منهج النقاد. يربي نفسه في حياته كلها. كيف يصلون إلى الحقيقة؟ كيف يبحثون؟ ما هي قواعدهم؟ كيف يتقبلون الرأي الآخر؟ كيف ينظمون المعلومات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت