الصفحة 12 من 20

الظاهر في التأليف الذي لا يمكن إنكاره أو تجاهله، ولعل السبب في ذلك أن كل ما لا تستغني عنه الأمة يعتبر من فروض الكفاية، التي تأثم الأمة جميعها بتركها، والعلم، وخاصة الشرعي منه لا يحلُّ كتمانه وبذلك لم يوجد اهتمام ببحث مسألة استحقاق الشخص لما ينتجه من الأشياء الفكرية، أو الأدبية، ولكن بتطور الزمن ووجود الخشية من انصراف القادرين عن إنتاج ما ينفع من الأمور غير المادية، وظهور أناس يستغلون جهود غيرهم مما يؤدي إلى الإضرار بهم، ومن ثم تقاعسهم، او امتناعهم عن إنتاج هذه الأمور النافعة، فإنه لا مانع من وضع القواعد التي تكفل الحق لأصحابه، وتمنع من الاعتداء عليه حتى يستمر العطاء وينمو ويزيد الإبداع، كما حصل من الأئمة بالإفتاء بجواز أخذ الأجرة على الأذان، وعلى تعليم القرآن، بعد أن كان ذلك ممنوعًا في العصور الأولى، نظرًا لانصراف الناس عن القيام بذلك احتسابًا، بسبب اشتغالهم بأمور معاشهم، فكان لا بدَّ من الإفتاء بجواز ذلك، حتى تضمن الكفاية لهم، فيؤدوا واجب الأذان وتعليم القرآن [1] .

وقد تطور شأن الحقوق المعنوية في تعاملات الناس وأعرافهم وأمكن إثباتها، وتسجيلها لأصحابها، مما يسر لأهل العصر الإفادة منها ماديًا بحيث تباع، أو يستفاد منها عند بيع الكتب أو المصنوعات بتخصيص نسبة من قيمة البيع لصاحب الكتاب، أو نسبة من قيمة المصنوع للمخترع، ونحو ذلك.

الحكم الفقهي في وقف الحقوق المعنوية:

الحقوق المعنوية بناءً على ما تقدم من التفات الناس إليها وقبولهم مقابلتها بالمال، وتداولها فيما بينهم، أموال محترمة يمكن أخذها وإعطاؤها تبرعًا للأفراد، أو الهيئات والجهات، أو معاوضة، وهي أقرب ما تكون إلى المنافع، والمنافع عند جمهور العلماء أموال، وإن كانت هناك فروق بين ملك العين، وملك المنفعة، أهمها:

1 -قبول ملك المنفعة لأن يتقيد بالزمان والمكان والصفة، والنوع، فتملُّك المنفعة في مدة معينة كما في الإجارة والوصية بالمنافع، أما قبوله للتقيد بالزمن، فلأنَّ الزمن يعدُّ معيارًا للمنفعة المملوكة، فيملك من المنفعة بقدر ما يكون منها في زمن معين، وأما تقييدها بالمكان والصفة والنوع فلأن ذكره ذلك يعد بيانًا لما ملك منها، وتعريفًا به.

وهذا بخلاف ملك العين فإنه دائم مطلق، ومن ثم لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا نوع ولا صفة.

2 -قبوله للتوارث عند جمهور الفقهاء، لأنه لا ينتهي بالموت، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا بأنه لا يقبل التوارث في جميع صوره وأحواله، لانتهائه بالموت عندهم، ويستثنى من ذلك ما لا ينتهي بالموت عندهم مثل حقوق الارتفاق [2] .

وقد صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الخامس المنعقد في الكويت عام1409هـ القرار رقم 43 (5/ 5) (1) بشأن الحقوق المعنوية، والذي نص على ما يلي:

أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجاري، والتأليف والاختراع أو الابتكار، حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة، لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا فلا يجوز الاعتداء عليها.

(1) انظر: الملكية في الشريعة الإسلامية، د/عبدالسلام العبادي1/ 199.

(2) الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية، الشيخ علي الخفيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت