الصفحة 14 من 20

المبحث الثالث

المناقشة والترجيح

مرَّ معنا فيما تقدَّم تصوُّرٌ للوقف ولمشروعيَّته، واختلاف العلماء فيما يصحُّ وقفه وما لا يصحُّ، وتناول البحث مسألة وقف الأسهم والصكوك والحقوق المعنوية -وهي موضوع البحث الأساس- في محاولة لبيان حقيقتها، ومعرفة إمكانية وقفها، ومن خلال ما تقدَّم يمكن أن نقرِّر ما يلي:

أولا: إنَّ مفهوم (المال) مفهوم يستند إلى أعراف الناس، وقبولهم بشيءٍ ما على أنَّ له قيمة فيما بينهم، مع وجوب اعتبار الشريعة له، وعدم ورود ما يمنع من ذلك فيهما سواء في نصوصها الجزئية، أو في قواعدها الكلية.

ولدى النظر في تعاريف العلماء للمال نجد أنها تحاول تصوير حقيقة المال بما يتفق ورؤيتهم المذهبية، فالحنفيَّة مثلًا يؤكدون المعنى العام للمال في تعاريفهم بمثل قولهم: «ما يميل إليه الطبع» ، و «كل قيمة مالية بين الناس» ، ونحو ذلك، ولكنهم يضمنوها غالبًا رؤيتهم لما يصلح أن يكون مالًا، فيقولون: «ما يمكن ادِّخاره لوقت الحاجة» ، أو «موجود يميل إليه الطبع» ، أو «كل عين ذات قيمة بين الناس» ونحوه، ليدلوا به على أن الأعيان هي التي توصف بالمالية وليست المنافع حسب رؤيتهم التي ترتكز على أمرين:

الأول: كون الشيء ماديًا محسوسًا تمكن حيازته وإحرازه، ليخرجوا بذلك المنافع.

ثانيهما: أن يكون الشيء منتفعًا به انتفاعًا معتادًا في غير حال الضرورة للاحتراز عن لحم الميتة، والخمر ونحوها حال الضرورة فإنها وإن كانت مادية محسوسة إلا أنَّ الانتفاع بها حال السعة والاختيار ممنوع بنصِّ الشرع [1] .

وجمهور العلماء من المالكية، والشافعيَّة، والحنابلة يوافقون الحنفية في أن أهم عناصر المالية، القبول بين الناس، وما يترتب على ذلك من آثار [2] .

ولكنهم لا يوافقونهم على حصر المالية في الأعيان فقط.

وهذا الذي مرَّ عن المذاهب في مجمله يؤكد كون المعول عليه في اعتبار المالية عرف الناس في القبول بالشيء مع عدم مصادمة الشرع، وهذا أمر يتسع في مفهوم المال ليشمل كل ما يجد من الأموال مما لم يكن موجودًا فيما مضى من الأزمنة أو كان موجودًا ولكن لم تتطور الوسائل والاعتبارات التي تمكن من تحصيله وضبطه، كما أنه يتسع أيضًا لاختلاف البيئات والأعراف.

وهذا ما قرره العلماء والمحققون من أهل العصر في ماهية النقود، حيث بينوا أن وصف النقدية يتحقق في كل شيءٍ يلقى قبولًا عامًا بين الناس كوسيط للتبادل، بقطع النظر عن مادته التي اتخذ منها (1) ، وهذا النظر الفقهي الدقيق ليس حادثًا بالكلية بل هو منقول عن بعض العلماء المتقدمين.

جاء في فتاوى الإمام ابن تيمية رحمه الله قوله: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حدٌّ طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة، والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل

(1) الملكية في الشريعة الإسلامية، د. عبد السلام العبادي1/ 172 - 175.

(2) المرجع السابق1/ 175 - 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت