فهرس الكتاب
لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا» (2) .
وهذا المعنى متسق مع نصوص الشرع أيضًا، فإن أكثرها يذكر المال، ولا يفصل في ماهيته، بل يكتفي بإضافته إلى من هو له، مما يدل على أن الإحالة في فهم المعنى على ما يعرفه الناس، ويعهدونه فيما بينهم، جريًا على القاعدة المعروفة أن كل ما لم يرد له تجديد في الشرع، ولا في اللغة، يرجع في تحديده إلى العرف (3) .
ومن هذه النصوص:
قوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا (سورة النساء، آية: 5) .
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (سورة النساء، آية: 10) .
وقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (سورة النساء، آية: 29) .
وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (سورة الأنفال، آية: 28) .
وقوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعْرَاضَكُم حَرامٌ عَلَيْكُم» [1] .
وقوله: «لا يَحِلُّ مَالُ امرئ مُسلِمٍ إِلَّا بِطِيْبٍ مِنْ نَفْسِهِ» [2] .
وبعد هذا كله يمكن أن نقول: إن الأسهم، والصكوك، والحقوق المعنوية أموالٌ لاعتبارها بين الناس وصحة الاعتياض عنها، وترتب الضمان على متلفها، وإن جريان العرف بقبولها واعتبار ماليتها في هذا الزمن يجعلها أموالًا محترمة يجري فيها كل ما يجري في المال من التصرفات بالمعاوضة، أو التبرع.
ثانيًا: الوقف تبرُّعٌ محض، قال المحاملي في أماليه صفحة (257) نقلًا عن تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف لعبدالرؤوف المناوي الشافعي: «التبرعات ستة: الوقف - الصدقة- والهبة- والعمرى - والرقبى - والوصية» ، قال: «ويزاد عليها الإباحة على ما ذكره في التدريب» [3] .
وقال القرافي في الفروق عند الكلام على الفرق الرابع والعشرين من قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر، وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات: وانقسمت التصرفات عنده -يعني: الإمام مالكا- ثلاثة أقسام: طرفان، وواسطة، فالطرفان: أحدهما: معاوضة صرفه فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، ثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة والهبة والإبراء؛ فإن هذه التصرفات لا يقصد بها تنمية المال، بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه، فإنه لم يبذل شيئًا، بخلاف القسم الأول، إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع، وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق، بالمعلوم، والمجهول؛ فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعًا، وفي المنع من ذلك وسيلةٌ إلى تعطيله ... [4]
ومن المعلوم أن المؤثر في تحديد صيغ التبرع، وما يكون فيها من شروط جعليَّة، إنما هو إرادة المتبرع نفسه -بشرط أن لا تخالف الشرع- وليس في الشرع ما
(1) صحيح البخاري 2/ 619.
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل5/ 72.
(3) صفحة 29.