الصفحة 16 من 20

يدلُّ على منعه من وقف ما يرجو بره وخيره مما يُعدُّ مالًا، عقارًا، أو منقولًا، عينًا، أو منفعة، ما دام الانتفاع به ممكنا.

ومن العبارات المشهورة في باب التبرع قولهم: إن المتبرع أمير نفسه، وعلى ذلك فمنعه منه يضيق أبواب الخير، ويحجر على باغيه.

ثالثًا: الذي ورد من صيغ الوقف في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو بيان للصورة المثلى التي لا خلاف على أهميتها وفضلها في موضوع الوقف؛ لانتفاء الشك في بقائها واستمرارها مدة طويلة تحصل ثواب الصدقة الجارية للواقف؛ لارتباطها بعقار قائم، تحقيقًا لما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلاثٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنتَفَعُ بِه، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَه» [1] .

ولكن هذا لا يمنع غيرها مما لم يصل إلى مرتبتها في الأهميَّة، ولا يقلل من شأنها، ومثل ذلك ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من الإشادة والثناء على بعض أنواع الذكر، كقوله: «أَحَبُّ الكَلام إِلى الله أَربَع، لا يَضُركَ بِأَيهنَّ بَدَأت، سُبحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَر» [2] .

فإنه يثبت الفضل لهؤلاء الكلمات ببيان كونهن أحب الكلام إلى الله عز وجل، ولكنه لا ينفي فضل أذكارٍ وأعمالٍ أخرى، مثل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل الاستغفار، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل ونحوها، وكذلك جوابه - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن أفضل الأعمال بقوله: «الصَّلاةُ لِوَقتِهَا» [3] ، ولآخر بقوله: «بِرُّ الوَالِدَيْن» [4] ونحوه، ولا يمنع من تعاطيها.

ولم يثبت نص عن الله ولا عن رسوله يحدد ما يجوز وقفه وما لا يجوز من الأموال، والذي ورد هو سؤال خاص من عمر رضي الله عنه في شأن أرضه التي أراد أن يتصدَّق بها في سبيل الله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «احبِسْ أَصْلَهُ وَسَبِّل ثَمَرَتَهُ» وفى رواية (( إن شئت حبست أصلها .. ) ). مما يدل على عدم الإلزام، وان الأمر إلى خيرة المتبرع.

وما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل غير ذلك وهو يستشار من صاحبه في عمل البر الذي ينفعه أكثر من غيره.

وكذلك لا توجد قاعدة شرعيَّة تحدد ذلك، وتمنع ما عداه.

وبناءً على ذلك فإن وقف الأسهم، والصكوك، والحقوق مندرج تحت التبرع المندوب إليه، وهو يحقق مقاصد الواقفين في تحصيل الثواب الدائم، ويحقق أيضًا مقاصد الموقوف عليهم بسد حاجاتهم، وتحصيل مصالحهم.

رابعًا: الشروط التي وضعها العلماء للوقف، اجتهادية، أخذًا من الصورة التي علمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر رضي الله عنه، وهي بهذا الاعتبار مقبولة؛ لأنها تؤدي إلى المحافظة على مقصود المتبرع، واستمرار ثواب عمله ببقاء العين الموقوفة، ولعل هذا هو السبب في منع بعض العلماء من وقف المنقولات، والمنافع، ولكن لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها مانعٌ من عمل البر الذي لا يعارض الشرع في غير هذه الصورة المثلى، وبناءً عليه فإنه ينبغي النظر إلى ما ورد من عبارات الفقهاء في شروط الوقف من قولهم: (لا يصح) ، أو (لا يجوز) على أنها تحمل دلالات خاصة غير ما قد يفهم

(1) سبق تخريجه ص 6.

(2) صحيح مسلم3/ 1685.

(3) صحيح البخاري1/ 197.

(4) صحيح البخاري 1/ 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت