الصفحة 7 من 20

وعندك، أرأيت لو وهبها لأجنبي، أو باعه إيَّاها محاباةً، أيجوز؟ فإن قال: نعم، قيل: فإذا فعل ثم مات أتورث عنه؟ فإن قيل: لا، قيل: فهذا فرار من فرائض الله تعالى، فإن قال: لا؛ لأنه أعطى وهو يملك، وقبل وقوع فرائض الله تعالى، وقولك: لا حبس عن فرائض الله تعالى محال؛ لأنه فعل قبل أن تكون فرائض الله في الميراث؛ لأن الفرائض إنما تكون بعد موت المالك، وفي المرض [1] .

وقد ثبتت مشروعية الوقف بنصوصٍ كثيرةٍ يحصل بمجموعها التواتر، منها:

1 -صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأموال مخيريق اليهودي الذي خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد دفاعًا عن المدينة وأوصى إن أصيب أن تكون أمواله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث أراه الله، فوقفها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض مصالح المسلمين [2] .

2 -صفايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أموال بني النضير، وفدك، وخيبر، والتي حبَّسها لأوجهٍ عديدة من أوجه البر [3] .

3 -صدقة عمر رضي الله عنه بسهمه في خيبر، روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه فكيف تأمرني به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَّستَ أصلَهَا، وتَصَدَّقتَ بهَا» ، فتصدَّق بها عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، للفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا غير متمول فيه [4] .

4 -صدقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأرض ثَمْغَ بالمدينة، والتي أعطاه إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أموال اليهود الذين جلوا عن المدينة، واشترى عمر رضي الله عنه أرضًا أخرى فضمَّها إليها فأصبحت مالًا معجبًا، فقال عمر: يارسول الله، إن لي مالًا فأنا أحبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «احبِسْ أَصْلَهُ وَسَبِّل ثَمَرَتَهُ» ، ففعل [5] .

5 -شراء عثمان رضي الله عنه لبئر رومه ووقفها للمسلمين.

6 -وتصدق أبو بكرٍ بداره على ولده.

7 -وتصدق عليٌّ بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد، وعمرو بن العاص، وحكيم بن خزام بمثل ذلك.

قال جابر رضي الله عنه: لم يكن أحدٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو مقدرةٍ إلا وقف [6] .

قال ابن قدامة رحمه الله بأن ذلك اشتهر عنهم، فكان إجماعًا [7] ، وقد تتابعت على ذلك الأمة في جميع طبقاتها، وفي مختلف البلدان، وهذا التشريع الحكيم فيه حفاظ على استمرار عمل الخير الذي ينتفع به الإنسان حال حياته، وبعد مماته يجري عليه أجره وخيره.

(1) الأم4/ 158، والمغني لابن قدامه8/ 185.

(2) فتح الباري5/ 402، شرح النووي على صحيح مسلم، باب حكم الفيء12/ 82.

(3) سنن أبي داود، باب في صفايا رسول الله ? 3/ 139.

(4) صحيح البخاري، باب الشروط في الوقف2/ 982.

(5) أحكام الأوقاف للخصاف، ص4، 5.

(6) المغني، كتاب الوقف والعطايا5/ 348.

(7) المغني لابن قدامة8/ 185 - 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت