الصفحة 14 من 31

التقابض في البدلين. وهنا ثمة اجتهادات معاصرة في المسألة، فأجيزَ تداول هذه الصكوك على الرغم مما قد تتضمنه من ديون أو نقود دونما ضرورة لمراعاة قضية التساوي أو التقابض إذا قلت نسبة هذه الأموال الخاضعة لأحكام ربا البيوع عن نسبة معينة. فقرر مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم 30 (5/ 4) بشأن صكوك المضاربة وصكوك الاستثمار أن العبرة بالغالب؛ فإن كان غالب موجودات الصكوك نقودًا أو ديونًا أو مجموعهما لم يجز تداول الصكوك. وكان لهيئة معايير المحاسبة والمراقبة في البحرين رأي بتحديد تلك النسبة بـ 30% ليسمح بتداول الصكوك إذا لم تزد نسبة النقود أو الديون عن 70%. وحددت هذه النسبة بـ 10% فقط وفقًا لبعض المعايير، كمعيار سوق دبي المالي، ليُسمح بتداول الصكوك ما دامت الموجودات القابلة للتداول قد بلغت10% كحد أدنى.

ولعله يُستدل على جواز ذلك بما يسمى بمبدأ صرف الجنس إلى غير جنسه، وقد توسع في هذا المبدأ الحنفية، ومن تطبيقاته أن يشتمل عقد البيع على مال ربوي (أي تنطبق عليه علة ربا البيوع) في العوضين من جنس واحد، ومع أحدهما جنس آخر ربوي أو غير ربوي، وهذه المسألة فرع عمّا يعرف في الفقه بما يسمى مسألة مُدَّ عجوة. [1] وقد منعها جمهور الفقهاء غير الحنفية وعللوا المنع بوقوع التفاضل في العوضين الربويين المتجانسين، لأن المال الربوي في العوض يقابل بجنسه في العوض الآخر ولا يتوزع عليه وعلى الجنس الآخر المضموم إليه. أي لو بيعت عشرة دراهم ومكيال من القمح بخمسة عشر درهمًا، قوبلت الدراهم بالدراهم جميعًا، فمنعت المسألة لوقوع ربا الفضل. أما على قول الحنفية، تقابل الدراهم العشرة بعشرة فقط من الدراهم الخمسة عشر في العوض الآخر، وتصبح الدراهم الخمسة الباقية في مقابل مكيال القمح، فتصح المسألة، وهذه الطريقة يسميها الحنفية"الاعتبار". ومستند الجمهور في حديث فضالة بن عبيد: (( أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنُزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ). [2]

ويستدل الحنفية لمذهبهم في هذه المسألة بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة، لم يحمل على الفساد، بل على الصحة تصحيحًا له، وقد أمكن التصحيح بطريقة الاعتبار كما تقدم. ووافق الحنفيةَ في تجويز هذا الحسنُ البصري والشَّعبي والنخغي. [3]

لكن المسائل التي يُصرف فيها الجنس إلى خلاف جنسه ممنوعةٌ عند الحنفية إن قُصد بها التحيّل، لأن المقصود بذلك الصرف إنما هو تصحيح العقود ما أمكن ذلك، بدليل أنهم يهدمون مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه هذا حين يتعذر ذلك؛ فلو باع رجل عشرة دراهم وثوب بعشرة دراهم وثوب، فإنه يصح ذلك؛ ولكن لو افترقا قبل

(1) روضة الطالبين للنووي: 3/ 48، التاج والإكليل للمواق: 4/ 302، كشاف القناع للبهوتي: 3/ 260، المغني لابن قدامة: 4/ 168.

(2) أخرجه: مسلم في صحيحه:3/ 1213، كتاب المساقاة 22، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب 17، رقم 1591. واللفظ له؛ وأبو داود في سننه: 3/ 249، كتاب البيوع، باب في حلية السيف تباع بالدراهم 13، رقم 3351 بلفظ (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب، فابتاعها رجل بسبعة دنانير أو بتسعة دنانير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينهما. فقال الرجل: إنما أردت الحجارة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا رُدَ حتى تميز بينهما) ؛ والدار قطني في سننه: 3/ 3، كتاب البيوع 13، رقم 2770، 2771؛ والبيهقي في سننه: 5/ 293، كتاب البيوع 21، باب لا يباع ذهب بذهب مع أحد الذهبين شيء غير الذهب 29،رقم 10322؛ وابن أبي شيبة في المصنف:6/ 53، كتاب البيوع والأقضية، باب في السيف المحلى والمنطقة المحلاة والمصحف 23، رقم 226.

(3) حاشية ابن عابدين: 4/ 237، فتح القدير لابن الهمام: 6/ 271، المغني لابن قدامة:4/ 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت