الصفحة 16 من 31

عمدة أدلة من قال بمعيارية الثلث بشكل حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال:"قلت يا رسول الله، أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة؛ أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"متفق عليه [1]

وهذا الاستدلال بالحديث لا يستقيم، فأقصى ما في الحديث من دلالة أن الثلث كثير في الوصية، أي أن إخراج ثلث المال وصيةً كثير في ذاته على الوصية، وهو كثير في مجال التبرعات التي منها الوصية فالشريعة مثلًا لم تحدد زكاة بأكثر من عشرة بالمئة؛ لا أن الثلث كثير في مقابلة الباقي وهو الثلثين! بل هو قليل في مقابلة الثلثين الباقيين. قال ابن حجر:"معناه كثير بالنسبة إلى ما دونه". [2] وذكر ابن حجر كذلك أن الكثرة أمر نسبي، فيكون الثلث قليلًا إذا ما قورن بالباقي، حتى إن الشافعي ذهب إلى أن معنى كثير في الحديث"قليل". [3]

فمن غير المستساغ إذن أن بعض المعايير الشرعية عممت الاستدلال بهذا الحديث في مواطن كثيرة منها مسألتنا [4] ، فجعلت الثلث كثيرًا على نحو يؤدي إلى أنه عدّه كثيرًا في مقابلة الثلثين الباقيين من جنسه، وهو أمر ظاهر الفساد، ويخالف المنطق العقلي والرياضي. فالكثير في مقابلة آخر من جنسه هو الأكبر قدرًا، لا الأقل! فثلث العشرة ليس كثيرًا في مقابلة السبع الباقية، وإن كان كثيرًا في مقابلة الواحد أو الإثنين.

ولو صح هذا المنطق من تعميم الاستدلال بالحديث على تحديد معيار الكثرة، لكفى الإنسان في الدنيا أن يكون ثلث عمله حسنات لينجو يوم القيامة على اعتبار أن الثلث كثير!! لكن هذا الثلث الذي يصفه البعض بالكثير قليل ولا ينجيه في مقابلة سيئاته التي بلغت ثلثي أعماله كما تنبئنا النصوص الشرعية في مسألة وضع الميزان، وما أهل الأعراف إلا قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يكفهم الثلث (على كثرته المظنونة) ليقرر مصيرهم!

وتجدر الإشارة إلى أن المالكية قد راعوا تعذر الفصل بين ما هو مال ربوي ومال غير ربوي الحاصل في بعض المسائل، فأجازوا استثناءً من منعهم لمسائل مد عجوة بيعَ المحلّى بأحد النقدين بجنسه من الذهب أو الفضة (كبيع السيف المحلى بالذهب بذهب) إذا كان في نزع الحلية فسادُ الشيء، وشرطوا لذلك شرطين أساسيين، هما تعجيل العوضين دفعًا لربا النسيئة، وأن تكون الحلية بقدر الثلث فأقل من قيمة الشيء مع حليته، وذلك لتصير الحلية تابعةًً له. أي أنهم عدوا تابعًا ما كان ثلثًا فأقل [5] .

وبعض المعايير الشرعية اليوم التي تأخذ بالثلث، كمعيار هيئة المحاسبة والمراجعة في البحرين هو على النقيض تمامًا من هذا، فهم جعلوا أقل من الثلث أصلًا متبوعًا، والثلثين تابعًا لما اكتفوا شرطًا لتداول الصكوك بأن تبلغ موجودات الصكوك القابلة للتداول 30% فقط، ودون تفريق بين نقود وديون!

ب. معيار الغلبة:

(1) الحديث أخرجه البخاري 3/ 1006، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، رقم 2591، ومسلم 3/ 1250، باب الوصية بالثلث، رقم 1628.

(2) فتح الباري 5/ 365

(3) فتح الباري 5/ 365

(4) ومنها مسألة اختلاط الحرام بالحلال، وهي مسألة ينبغي تناولها في بحث مستقل.

(5) حاشية الدسوقي: 3/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت