فهرس الكتاب
إن كان من اجتهاد في المسألة مقبول في رأينا، فهو تحديد المعيار باعتبار الغلبة، وهو المعيار الذي أخذ به مجمع الفقه الإسلامي. وعليه، تعامل موجودات الصكوك غير القابلة للتداول معاملة القابلة للتداول إن كانت الأخيرة هي الغالبة وذات النسبة الأعلى؛ فيمكن تداول هذه النوعية من الصكوك ذات الموجودات المختلطة حينئذ، ولا سيما أننا نجد للغلبة اعتبارًا في بعض المسائل المتعلقة بالأموال الربوية عند الفقهاء، لكن على النحو الذي لا يؤدي إلى تسويغ محرم [1] . هذا بشرط أن تقوم الحاجة إلى ذلك؛ أما أن تدخل الموجودات غير القابلة للتداول من الديون في حصيلة الصكوك قصدًا بغية تسويغ الاتجار بها، فهذا لا يقبل، لحصول التحيل حينئذ على المحرم.
ولما ذكرنا نظائر في الفقه في تطبيقات الربا، فقد عومل الذهب _ ومثله الفضة وكل مال ربوي _ المغشوش، أي المختلط بغيره معاملة الذهب الخالص إن كان الذهب هو الغالب، وخرج عن كونه ذهبًا إن كان الغش، أي المعدن الآخر هو الغالب؛ وإنا تساوى الذهب والغش، عومل الكل معاملة الذهب احتياطًا. [2]
والخلاصة أنه لما لم يصح اعتماد مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه في قضية الديون من موجودات الصكوك، لأن هذا المبدأ ينفع لدرء وقوع ربا الفضل، ولا يجدي في درء وقوع ربا النسيئة الحاصل في بيع الديون على النحو الذي تقدم، لم يبق إلا أن نعتمد معيار الغلبة إن قامت الحاجة إلى ذلك، ولا يصح معيارٌ غير معيار الغلبة.
وهذا القول بتسويغ اعتماد مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه الذي قال به الحنفية، أو معيار الغلبة في موجودات الصكوك (أكثر من 50%) ينبغي أن يقيد بأن تكون الحاجة قائمة إلى ذلك، بأن تشترى وتصكك شركة ما مثلًا بكل موجوداتها المشتملة على النقود والديون [3] ، أو أن يتحول جزء من موجودات الصكوك في زمن ما بعد إصدار الصكوك إلى نقود أو ديون. وقيام الحاجة من عدم قيامها أمر يقرره الاقتصاديون والمختصون.
لكن إن كان يتعذر عمليًا في بعض أنواع الصكوك المحافظة على كون موجودات الصكوك من الأعيان هي الغالبة طيلة فترة قيام الصكوك، لكثرة تحول الأعيان إلى ديون ونقود خلال فترة الاستثمار من جراء عمليات البيع التي لا يمكن تقييد حجمها أو جدولتها زمنيًا، فلعله يمكن اغتفار تداول الصكوك حينئذ وإن نزلت نسبة ما تمثله من الأعيان عن النصف باعتبار كون ذلك أمر طارئًا وعرضيًا ومؤقتًا.
أما أن يكون الغرض من التصكيك أصلًا تسويغ الاتجار بالديون،، فهذا تحيل ممنوع، وكذا إن تم إدخال ديون (ديون مرابحة مثلًا) قصدًا إلى موجودات يراد تصكيكها، لتسويغ بيعها مثلًا إلى حملة الصكوك بحسم، ليبيعوها لاحقًا بسعر أعلى أو ليحصلوا لاحقًا على القيمة الاسمية للديون عند إطفاء الصكوك، فلا يجوز كذلك، لأنه تحيل يخرق ويناقض غاية ومقصد المنع من بيع الدين.
ومن نافلة القول ذكر اشتراط أن لا يكون من نشاط الشركة التي صككت موجوداتها الاتجارُ بالنقود أو الديون. لأن جواز تصكيك موجودات مثل هذه الشركة يكون سبيلًا للتحيل على الاتجار الديون تحت غطاء شرعي.
وينبغي كذلك التفريق بين عملية التصكيك، وبين تداول الصكوك، فإصدار الصكوك التي تمثل حصيلة الإسهامات المالية النقدية من المستثمرين التي يراد منها شراء أصول معينة جائز، لأن ذلك لا يعني اتجارًا بالنقود؛ أما تداول هذه الصكوك بيعًا
(1) حاشية الدسوقي:3/ 47، مواهب الجليل للحطاب:4/ 346، حاشية الشرقاوي: 3/ 78، حاشية البجيرمي: 3/ 16، مغني المحتاج للشربيني: 2/ 22
(2) فتح القدير لابن الهمام: 6/ 275.
(3) إلى هذا ذهبت المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة.