فهرس الكتاب
لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أجازا بيع المسلم فيه قبل قبضه للمسلم إليه ولغيره، وقيدا جواز بيعه للمسلم إليه بشروط تتعلق بالثمن خروجًا عن العينة والتحايل على الربا كما سيأتي لاحقا عند الحديث عن صكوك السلم والعينة.
قال ابن تيمية:"بيع دين السلم من بائعه ليس فيه محذور أصلًا كما في بيعه من غير بائعه". [1] وقال ابن القيم في إعلام الموقعين:"والدين في الذمة يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره وتجب عليه زكاته إذا تمكن من قبضه". [2]
ولما كان المالكية يجيزون بيع ما سوى الطعام قبل قبضه [3] ، فإنهم أجازوا أيضًا بيع المسلم فيه للمسلم إليه ولغير المسلم إليه إذا لم يكن طعامًا بشرط أن يكون الثمن حالًّا، تجنبًا لوقوع بيع الكالئ بالكالئ، أي المؤجل بالمؤجل. لكن قيدوا جواز بيعه للمسلم فيه بشروط الغرض منها كذلك تجنب التحايل على الربا كما سيأتي.
قال ابن رشد (الحفيد) :"وأما بيع دين السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به، ما لم يكن طعامًا، لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه". [4]
وقال ابن جزي:"يجوز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر، لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة ويجوز من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يدًا بيد، ولا يجوز بالتأخير للغرر لأنه انتقال من ذمة إلى ذمة". [5]
ولعلَّ من الواجب هنا للفتوى الإفادة من خبرة الاقتصاديين في مسألة الآثار الاقتصادية التي قد تنجم عن السماح بتداول صكوك السلم بالاستناد إلى قول المجيزين من احتمال وقوع المضاربات على السلع الأساسية والأقوات.
ثالثا: الضمانات المقدمة لحملة الصكوك
لما تحولت الصكوك من أدوات للاستثمار الحقيقي إلى أدوات للتمويل، تمامًا كما تحولت عقود المشاركات والمضاربات في المؤسسات المالية الإسلامية إلى عقود تمويلية، فإنها تسببت في إثارة قضايا وشبهات حول مشروعيتها وآلية عملها من حيث ضمان الأصل والعائد، نستعرضها فيما يلي:
أ. تضمين مدير الصكوك على أساس دراسة الجدوى المقدمة:
ظهرت اجتهادات معاصرة بتضمين مدير الصكوك، سواء كان شريكًا أو مضاربًا أو وكيلًا بالاستثمار، لقيمة الصكوك الاسمية، أي رأسمال المستثمرين حملة الصكوك، أو عائدها، على أساس دراسة الجدوى المقدمة. أي أن يكون مدير الصكوك قد قدم دراسة اقتصادية عن جدوى المشروع الاستثماري، دل فيها على نجاح المشروع وربحيته، ثم ادعى لاحقًا وقوع الخسارة، ولم يثبت أن الخسارة خرجت عن كل التوقعات بحيث لا ينسب إليه شيء من الخطأ.
واستند لهذا الاجتهاد بأن الخسارة في الحالة المذكورة تدل على وقوع تغرير من هذا المدير بالمستثمرين، والتغرير يوجب الضمان"التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان". كما استُدل بالحديث"على اليد ما أخذت حتى تؤديه" [6] ، وبأن مدير الاستثمار مدع للخسارة، والأصل صحة دراسة الجدوى المقدمة، فبوقوع الخسارة
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء 29، باب السلم.
(2) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 4/ 3.
(3) بداية المجتهد لابن رشد الحفيد2/ 108
(4) بداية المجتهد لابن رشد 2/ 155
(5) القوانين الفقهية 1/ 178
(6) الحديث رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ"... حتى تؤدي"