الصفحة 24 من 29

فإذا وافق الطرفان على إجراء الجراحة القيصرية فإن الحكم الشرعي في إجرائها واضح وهو الوجوب، لما في إجرائها من إنقاذ للنفس المحرمة شرعًا.

أمَّا إذا رفض الزوج سواء أكان موافقًا في رفضه للزوجة أو مخالفهًا لها، فالقياس على ما تقدم في المسألة السابقة فإنه لا يعتد برفضه، ويسقط حقه في الإذن الطبي، لأنه إذا ملك إسقاط حقه في الحفاظ على حياة جنينه، فإنه لا يملك إسقاط حق غيره في ذلك.

وأمَّا إذا رفضت الزوجة إجراء العملية القيصرية، فالحكم الشرعي هنا كما في حالة رفض الزوج، وحالة رفض المريض العلاج (المبحث الثاني) يسقط حقها في الإذن الطبي، ويجب على الطبيب إجراء العملية القيصرية لما فيها من إنقاذ النفس المحرمة، الذي هو من أجل ما يتقرب به إلى الله عز وجل وهو داخل في عموم قوله سبحانه وتعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) [1] . ولا يشكل هنا ما قد يترتب على إجراء العملية القيصرية من هلاك للجنين، وذلك إذا كانت العملية بقصد إنقاذ حياة الأم، لأنه إذا كانت حياة الأم مهددة ببقائه، وكان بقاؤه في الغالب غير منته بسلامته وخروجه حيًا، فإن حياته تكون موهومة وحياة الأم متيقنة، ولا يجوز تعريض الحياة المتيقنة للهلاك طلبًا لحياة موهومة، فيضحى هنا بحياة الجنين ارتكابًا لأخف الضررين، عملًا بالقاعدة الشرعية"إذا تعارضت مفسدتات روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما" [2] .

فالضرر المترتب على عدم إجراء الجراحة القيصرية في هذه الصورة يعرض الأم وجنينها للهلاك، حيث يهلك بهلاكها، بخلاف الضرر المترتب على إجراء القيصرية، فإنه مختص بالجنين فهو أخفهما.

وإذا كان يُضحى بحياة الجنين لإنقاذ حياة الأم، فالعكس لا يكون، حيث

لا يُضحى بحياة الأم إنقاذًا للجنين، لأن حياته موهومة، وحياتها متيقنة.

والله تعالى أعلم.

(1) سورة المائدة: جزء من الآية (32) .

(2) د. محمد الشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية ص157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت