الصفحة 10 من 15

أما من حيث دلالة هذه الأوامر الولائية على الكشف عن الحكم الشرعي الأولي فقد تعرض الأصوليون لذلك:

فذكر في (سلم الوصول) انه ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعًا يطالب به المكلفون، لأن الرسول بشر كسائر الناس ـ من الناحية الفسلجية ـ، اصطفاه اللّه رسولًا لهداية الناس وإرشادهم; قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) [1] فما صدر منه ينتظم الأقسام التالية:

1 ـ ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالأكل والشرب والنوم وما إلى ذلك من الأمور التي مرجعها طبيعة الإنسان وحاجته.

2 ـ ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة، وفي الأمور الدنيوية وبحسب تقديره الشخصي للظروف والأحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية وما إلى ذلك من الأمور التي يعتمد فيها على مقتضيات الأحوال ومراعاة الظروف.

وهذان القسمان ليسا تشريعًا، لان مرجع القسم الأول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرجع القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي للظروف الخاصة من غير ان يكون هناك دخل للوحي الإلهي ولا للنبوة والرسالة.

3 ـ ما صدر منه على وجه التبليغ عن اللّه تعالى، بصفته رسولًا يجب الاقتداء به والعمل بما سنّه من الأحكام مثل تحليل شيء أو تحريمه والأمر بفعل أو النهي عنه وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات، والحكم بين الناس، فهذا القسم الأخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به والأحاديث الواردة في هذا القسم تسمى بأحاديث الأحكام.

وبالجملة فان أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته إنما تكون دليلًا من الأدلة، ومصدرًا من المصادر التشريعية التي تستمد منها الأحكام الشرعية إذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الأحكام أو بيانها [2] .

وقد أشكل عليه استأذنا السيد محمد تقي الحكيم بان هذا التقسيم غريب بناء على:

أ ـ علمنا بأنه ما من واقعة إلا وللّه فيها حكم.

ب ـ صدور هذه الأفعال عن إرادة.

ج ـ أدلة العصمة.

فكل ما يصدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بطبيعة الحال يكون موافقًا لأحكام الشريعة ومعبرًا عنها ولا يختلف الحال بين القسم الأول والثاني والثالث، واستثنى من ذلك مختصاته (صلى الله عليه وآله وسلم) كالزواج بأكثر من أربع، وكذلك أفعاله الطبيعية غير الإرادية ... وأضاف: (أقصاه ان بعض أفعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الأولي أو العنوان الثانوي، ودلالتها أحيانا على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا) [3] .

وما قاله استأذنا الحكيم صحيح، إلا انه يمكن توجيه كلام صاحب (سلم الوصول) بأن القسم الأول يعني الأساس الذي صدر عليه هذا السلوك الخاص وان القسم الثاني لا يكشف عن حكم شرعي ثابت كما هو الحال في القسم الثالث. إلاّ ان الذي يرد عليه

(1) الكهف: 10.

(2) سلم الوصول: ص 362 فما بعدها.

(3) أصول الفقه المقارن: ص 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت