أنه في القسم الثاني لم يفرق بين الآراء الشخصية والمواقف الحكومية الولائية، حيث تعبر المواقف الحكومية عن مراعاة كاملة للأطر التشريعية العامة، والتوجيهات الإسلامية للحاكم الشرعي ـ كما سيأتي بيانه ـ والمصلحة العامة للآمة مما يمكن ان يساعد في الكشف عن الحكم الإسلامي الثابت وان كان هو لا يعتبر عن حكم ثابت شامل باعتبار قيامه على أساس مراعاة الظروف الزمانية والمكانية.
وقد نستغرب ان يدخل في القسم الثالث مسألة (الحكم بين الناس) وهي لا تعبر عن حكم إسلامي ثابت إلاّ أن يريد القواعد الثابتة لهذه المسألة.
هذا وهناك أمثلة كثيرة للأحكام الصادرة عن الأئمة بشكل ولائي ولا مجال هنا للتعرض إليها بالتفصيل.
معيار التمييز بين الأوامر الشرعية والولائية
وربما كان هذا البحث من البحوث الأصيلة وان لم يتم الاهتمام به على النحو المطلوب.
وما يبدو لنا ان هناك معايير فنية من قبيل:
أولًا: أن يتعلق الأمر بالقضايا الخارجية.
ثانيًا: أن يحمل معه قرينة تدل على ذلك كأن يكون في موقف القضاء أو الحكم بين الناس.
ثالثًا: أن يصدر في جو مخالف لمضمونه، مجمع على عمومه الآبي عن التخصيص.
رابعًا: ان يفسره الأئمة والأصحاب بذلك وفق قرائن معينة عندهم، مما يحقق لنا الاطمئنان بالجو الذي صدرت فيه هذه الأوامر.
كما جاء في بعض الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) من قبيل:
1ـ محمد بن يعقوب عن علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي: قال: «سئل أبو عبد اللّه عن شراء النخل والكروم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين فقال: لا بأس، تقول: ان لم يخرج في هذه السنة اخرج في قابل، وان اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، وان اشتريته ثلاث سنين قبل ان يبلغ فلا بأس، وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها، فقال: قد اختصموا في ذلك إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من اجل خصومتهم» [1] .
2 ـ محمد بن يعقوب بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) انه سئل عن ... والحمير والبغال والخيل فقال: «ليس الحرام إلا ما حرّم اللّه في كتابه، وقد نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خيبر عنها، وإنما نهاهم من اجل ظهورهم أن يفنوه وليست الحمر بحرام» [2] .
(1) وسائل الشيعة: ج13، ص3.
(2) المصدر نفسه: ج16، ص 394.