3 ـ نقل الترمذي عن رافع بن خديج انه قال: «نهانا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر كان لنا نافعًا، إذا كانت لأحدنا ارض ان يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم، وقال: إذا كانت لأحدكم ارض فليمنحها أخاه أو ليزرعها» ، ويعلّق الشهيد الصدر عليه بقوله: ( ... ونحن حين نجمع بين قصة هذا النهي، واتفاق الفقهاء على عدم حرمة كراء الأرض في الشريعة بصورة عامة، ونضيف نصوصًا كثيرة واردة عن الصحابة تدل على جواز إجارة الأرض، نخرج بتفسير معين لهذا النص ... وهو ان النهي كان صادرًا من النبي بوصفه ولي الأمر وليس حكمًا شرعيًا عاما) [1] .
الاصل في المسألة
هذا وان لم يقم أي من هذه المعايير على تشخيص الموقف فان الأصل ـ واللّه اعلم ـ هو اتباع الطبيعة الغالبة وهي كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) في موقف التبليغ.
ثالثًا الإجماع
مرّ بنا ان هذا الأمر يعد من الأحكام الواضحة في الإسلام وذلك نتيجة لإجماع الأمة الإسلامية على استمرار الحكومة الإسلامية التي بدأت بعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين واستمرت بأشكال أخرى، ورغم الانحراف الذي أصاب بعض الحاكمين إلاّ ان اصل الحكومة لم يكن ليعترض عليه احد بل شكلت ـ عند البعض ـ أمرًا يجب احترامه حتى ولو كان الحاكم فاقدًا للشروط المطلوبة.
رابعًا: طبيعة التشريع الإسلامي و (دليل العقل)
هذا وان المتتبع للشريعة الإسلامية بسعتها وعرضها العريض، وأهدافها المعلنة كشريعة للحياة لكل واقعة فيها حكم، ولكل مشكلة منها رأي وموقف، ولكل جانب من جوانب الحياة الإنسانية نظام شامل ومتشعب؛ هذا المتتبع لابد له ان يصدق تماما بوجود نظام سياسي حكومي إسلامي، وان لهذا النظام صلاحياته التي تتطلب قيامه بفضّ النزاعات وملء المناطق المتعلقة بالشؤون الإدارية والتنفيذية والتي ترتبط بالجانب المتغير من الحياة ... وهذا المسلك ربما أطلق عليه اسم مسلك العقل، والمراد به المسلك الذي يعتمد فيها على النتيجة المنطقية التي يخرج بها من يلاحظ مجمل الخصائص الإسلامية ومقاصد الشريعة وأهدافها. والحقيقة ان التصور القائل بعدم الحكومة، يعني ان الإسلام سلّم كل نظمه وقوانينه الحياتية بيد حكومة لم يخطط لها ولا تؤمن به؛ هو أمر يدعو للسخرية [2] .
الاستنتاج:
وعلى ضوء ما قدمناه يلاحظ أصحاب الاتجاه الولائي في حكم المرتد ما يلي:
أ. ان حركة الارتداد في صدر الإسلام كانت حركة سياسية واسعة ولم تكن بشكل حركة عادية تعرض فيها شبهات فردية فيرجع من خلالها أصحابها عن دينهم، كلا فقد عمل الكفار والمشركون وسعهم لتمزيق صفوف المسلمين بشتى الطرق التي يعرض بعضها القرآن الكريم فيقول مثلًا: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم ان استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) . [3]
(1) اقتصادنا: ج2، ص 643.
(2) ولاية الفقيه: ج1 ص 161 ـ 191.
(3) البقرة 216.