كما عرّف الحكم الثانوي بأنه: الحكم المجعول للشيء بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصة تقتضي تغيير حكمه الأولي [1] .
وهذه الحالات الطارئة هي من قبيل (الضرر) و (العسر والحرج) و (العجز) و (الإكراه) و (الخوف) و (المرض) و (تزاحم الحكم عند تنفيذه مع حكم أهم منه) و (وقوعه مقدمة لحكم آخر) و (وقوعه مورد النذر والعهد والقسم) وغير ذلك من قبيل تحول الحكم الوجوبي الكفائي للصناعات التي يتوقف عليها نظام الحياة إلى الحكم التعييني الوجوبي إذا انحصر الأمر بشخص واحد.
والحكم الأولي: ثابت لموضوعه دائمًا، لأنه جاء لذات الموضوع بغض النظر عن الطوارئ عليه، كما انه يشترك فيه العالم والجاهل لأنه أيضًا ثابت لذات الموضوع رغم كون الجاهل معذورًا.
في حين ان الحكم الثانوي: ثابت ما ثبتت الحالة الطارئة، ولخصوص هذا الشخص الذي عرضت له.
ولذا نجد أن الحكم الثانوي يعبر عن مرونة تشريعية، ذلك ان المرونة تعني الاستجابة للحالة الضاغطة بمقدار ما تحمله من ضغط، ثم العودة إلى الحالة الطبيعية ـ عند ارتفاع العامل الذي أدى إلى أن يُغيّر الحكم ـ وهي هنا الحكم الأولي، وهذه بنفسها قاعدة عامة يجب ان يلحظها الفرد عند اتباعه الحكم الثانوي، كما يجب ان يلحظها الحاكم الشرعي في حكمه الولائي فلا يتجاوزها إلى حالة طارئة بشكل دائم بل يتبع في ذلك مقتضيات المصلحة العامة ملتفتًا إلى كون الحالة استثنائية.
ولسنا بصدد استقصاء العناوين الطارئة بشكل ثانوي، وإنما نشير إلى ان القرآن الكريم يشير إليها. مثلًا جاءت حالة (الاضطرار) في الآيات التالية: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن اللّه غفور رحيم) [2] ، (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن اللّه غفور رحيم) [3] ، (وما لكم ان لا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وقد فَصّلَ لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرِرتُم إليه) [4] . وغيرها.
وكذلك الحرج: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [5] .
وكذلك العناوين الأخرى.
وهذا المعنى أيضًا جاء في الروايات الشريفة ومنها حديث الرفع الذي روي بسند جامع لشرائط الصحة «عن حريز عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة» [6] .
الأحكام الحكومية:
(1) المصدر نفسه: ص 73.
(2) البقرة: 172.
(3) المائدة: 3.
(4) الأنعام: 119.
(5) الحج، 78.
(6) وسائل الشيعة، ج ص 345، وذكرته الصحاح.