الفرق بين ضوابط حرية التعبير في المجتمع المسلم
وضوابط حرية التعبير في المجتمعات الغربية
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض القوانين والتشريعات التي تحاول ضبط حرية الرأي وتقيدها في مجالات معينة نجد أن هناك توافقا بين محاولات قادة الفكر الغربيين الذين يرون أن هناك خطرا من إطلاق حرية التعبير عن الرأي في وسائل الإعلام وبين معظم التشريعات العربية، وخاصة في المجالات الثلاثة الرئيسة: القذف والسب، وانتهاك الخصوصية، والتدخل في سير المحاكمات، إلا أن المحاولات الغربية ينقصها الإطار المرجعي الذي تستند إليه في مواجهة تجاوزات وسائل الإعلام في مجال حرية التعبير، إذ تصدم هذه المحاولات بالمنطلق الفكري الليبرالي الذي أسس له الفلاسفة الغربيون الذين بالغوا في منح الفرد حريته الشخصية المطلقة في كل المجالات بما في ذلك الدين والاعتقاد والسلوك وضابطهم الوحيد هو عدم الاعتداء على حرية الآخرين، ومن هنا كانت المقاومة شديدة جدا من قبل وسائل الإعلام الغربية لأي محاولة تحد من حريتها حتى وإن كان الهدف من ذلك هو المصلحة العامة أو مصلحة المجتمع.
أما في المجتمعات المسلمة فالإطار الفكري الذي تنطلق منه كافة التشريعات الخاصة بحرية التعبير عن الرأي والممارسات لهذه الحرية هو الشريعة الإسلامية، والتي شرعها الخالق لمصلحة الأمة أفرادا وجماعات قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة بقرون، وهي صالحة لكل زمان ومكان، وثابتة لا تتغير بتغير المجتمعات ولا بتغير الوسائل، وقد حفظت للفرد حقه في حرية التعبير بما فيه مصلحة له ولأمته ومنعته من التعدي على الحرمات بحجة استخدام حرية التعبير.
ففي مجال منع استخدام حرية التعبير للاستهزاء والسخرية من الآخرين بأي شكل من الأشكال وبأي وسيلة يقول تعالى في كتابه الكريم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [1] وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر [2] «ومن الأحاديث التي رسمت منهجا واضحا ودقيقا لحدود حرية التعبير عن الرأي ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:» مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ « [3] . فالمؤمن مطالب إما أن يتكلم بما فيه خير له أو للآخرين أو لا يتكلم. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة ليس المقام مقام حصر لها.
أما ما يتعلق بعدم استخدام حرية التعبير لاقتحام خصوصية الآخرين وإشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم فتوجيه الشرع واضح في ذلك قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } [4] وقال تعالى: {? ? ... ? ? ? ? ? ? ? لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ? ? ? ... ? ... ? ... ? ?} [5] وقال تعالى: ? ? ? ? ? ?
(1) سورة الحجرات، آية 11
(2) البخاري: الإيمان (48) , ومسلم: الإيمان (64) , والترمذي: البر والصلة (1983) , والنسائي: تحريم الدم (4108) , وابن ماجه: المقدمة (69) , وأحمد (1/ 446) .
(3) البخاري: الأدب (6019) , وابن ماجه: الأدب (3672) , وأحمد (6/ 385) , ومالك: الجامع (1728) , والدارمي: الأطعمة (2036) .
(4) سورة الحجرات، آية 12
(5) سورة النور، آية 19