? ? ? ? ? ... أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [1] ، وجاء في السنة ما روي عن أبي برزة الأسلمي مرفوعا: (يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته) [2] .
ومن هنا يمكنا القول أن حرية التعبير التي تتبناها الأنظمة الليبرالية وإن حاولوا تقييدها ببعض التشريعات إلا أنها لا تزال حرية غير منضبطة تتحكم فيها المصالح الفردية، في حين أن حرية التعبير في النظام الإسلامي تنطلق من ثوابت واضحة لا لبس فيها، ولا مجال لتغييرها، وتحويرها حسب المتغيرات، وتحقق مصالح الفرد والمجتمع على حد سواء وتحافظ على حقوق الآخرين من الاعتداء عليها باسم حرية التعبير.
أبرز جوانب الاختلاف بين تطبيقات حرية التعبير في المجتمع المسلم
وبين تطبيقات حرية التعبير في المجتمعات الغربية
من خلال الاستعراض السابق لمفهوم وضوابط حرية التعبير عن الرأي في المجتمع الإسلامي والمجتمعات الغربية يمكنا الخروج بعدة فروق أساسية تميز حرية التعبير عن الرأي في المجتمع المسلم عنها في المجتمعات الغربية:
أولا: من حيث المنطلقات الفلسفية والأسس الفكرية: تنطلق حرية التعبير عن الرأي في المجتمع المسلم من الشريعة الإسلامية التي هي واضحة في الغايات، وثابتة في المنهج لا تتغير بتغير الزمان أو المجتمعات، وأهدافها ومقاصدها مشتقة من نصوص الشريعة الإسلامية ولا يحق لأحد أن يصدر تشريعات أو يسن قوانين تخالف نصوص الشرع. أما ما سكت عنه الشرع أو لم يرد فيه نص فللمسلمين الاجتهاد في وضع الأنظمة والتشريعات الخاصة به وفق ضوابط شرعية محددة لهذا الاجتهاد.
أما في النظام الليبرالي الغربي فإن حرية التعبير انطلقت من دعوات لفلاسفة لا يقيمون للدين وزنا ولا يعيرون القيم الدينية أو الاجتماعية اهتماما، وبالتالي جاءت تشريعاتهم وقوانينهم فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير عنه مضطربة وغير ثابتة، قامت على أسباب الاختلاف بين الناس الذين وضعوها، وتقررت على أساس الرغبات والأمزجة المتباينة التي قادت إلى الهوى والضلال. [3]
ثانيا: من حيث الهدف والغاية: حرية التعبير في المجتمع المسلم تستخدم لتحقيق هدف رئيس وهو رضا الله عز وجل، فالإعلامي المسلم يضع نصب عينيه هذا الهدف ويسعى لتحقيقه، ويراقب الله عز وجل في كل كلمة يقولها أو رأي يبديه، لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيجازيه، وعندما يكون رضا الله عز وجل هو الهدف؛ توظف حرية التعبير توظيفا سليما لخدمة مصالح الأمة أفرادا وجماعات.
أما في المجتمعات الغربية فإن المادة هي الهدف الرئيس سواء للمؤسسة الإعلامية أو للفرد، ولذلك تستغل حرية التعبير غير المنضبطة لتحقيق المكاسب المادية حتى وإن كانت على حساب مصلحة المجتمع وقيمه ومقدراته. ومن هنا تمكن أصحاب رؤوس
(1) سورة الإسراء، آية 36
(2) أخرجه أبو داود (4880) وأحمد (4/ 420 - 421) وابن أبي الدنيا في الصمت (167) وفي الغيبة (29) وأبو يعلى (7386 - 7387) والبيهقي (10/ 247) وفي الآداب (152) .
(3) محمد البشر، مرجع سابق، ص97 - 98