الصفحة 9 من 15

وحرية التعبير عن الرأي تعد بلا شك من المسائل الجوهرية التي تدخل في نطاق حقوق الإنسان في الإسلام والمقصود بـ (حق التعبير عن الرأي) : هو أن يتمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق، وإسداء النصيحة في أمر الدين أو الدنيا؛ فيما يحقق النفع، ويصون مصالح الفرد والمجتمع، فيما يتعلق بالحاكم أو المحكوم [1] .

وقد كفل الإسلام هذه الحرية منذ فجر الدعوة بل وجعلها من أوجب واجبات المسلم في ممارسة حقه في إبداء الرأي والوقوف بصلابة إلى جانب العدالة والمساواة - مرتكزات الإسلام الأولى - وما يقصد أنه الحق [2] .

وهناك العديد من الأدلة النقلية من الكتاب الكريم والسنة النبوية ما يدل على ذلك منها:

أ- فمن الكتاب: قوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [3] وقوله جل وعلا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [4] .

ب- ومن السنة: فقد دلت أقوال وأفعال وتقريرات النبي صلى الله عليه وسلم عليها ومنها:

-1 (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) [5] .

-2 قوله صلى الله عليه وسلم: (أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) [6] .

-3وقوله صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهِ لَتَامُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَاخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَلَتَاطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) [7] .

ولم يكتف الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة العامة لحرية الرأي بل كان يحث أصحابه على ممارسة حرية الرأي معه فكان يستطلع آراءهم في الشئون العامة بل وفي المسائل الخاصة وكان يأخذ بآرائهم وإن خالفت رأيه أحيانًا.

ومن هنا تتضح أهمية هذه الحرية من كون الإسلام دعوة إسلامية عالمية يجب إبلاغها إلى كل عقل إنساني فمجال عمل الإسلام هو الجنس البشري قاطبة وبدون حرية الرأي لا يمكن أن تتخذ الدعوة سبيلها إلى العالم فإعلان الدعوة الإسلامية وطرح أفكارها ومبادئها الرئيسة يقتضي بداهة حرية الرأي عند الطرفين عند الداعية المسلم وعند الطرف الثاني مهما كان فكره واعتقاده.

حرية إبداء الرأي والاجتهاد:

ومن الحريات التي أباحها الإسلام أيضا حرية إبداء الرأي والاجتهاد في كثير من أمور الدين، والفهم واجب على المسلم في الأخذ من جميع هذه المصادر والعمل بها، فلا تعارض بين النص والاجتهاد في وجوب الفهم في كل منها، لأن المسلم بعدما تلقاه من الأوامر الإلهية التي توجب عليه التفكير والتدبير والتحاكم إلى العقل والبصيرة.

فالإسلام أتاح المناخ الفكري الحر الذي مكّن العلماء وأصحاب الفكر من الإسهام في إثراء الحضارة الإسلامية في كافة أنحاء مجالاتها، وقد قدم المسلمون عربهم وعجمهم ما بهر العالم من إنتاج فكري كان نواة للعلوم الحديثة، كما كان مقدمة لنهضة أدبية كبرى تشهد بها آدابهم وما فتحوه للعالم من مجالات مبتكرة اعتمد عليها العالم الحديث بشكل مباشر، ففنون العرب في اللغة والتاريخ والجغرافيا والأدب تظهر آثارها بشكل واضح وملموس فيما لحقها من تراث إنساني.

وهذا الحق أكد عليه القرآن الكريم بدعوته إلى التفكر والمشاركة فيه ... قال تعالى قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ? ? ? ... [8] .

وقد شجع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في كل مناسبة على إبداء الرأي، وتقديم المشورة، وفتح المجتمع الإسلامي أبوابه للباحثين الذين لجأوا إليه من دول أخرى، وكان كل مضطهد في بلده يجد في أرض الإسلام ملجأ وملاذا.

كما شجع الرسول عليه الصلاة والسلام على المشاركة بالرأي حتى في التخطيط الحربي كما حدث في غزوتي بدر والخندق. ويعتبر الاجتهاد مظهر من مظاهر الحرية الفكرية في الإسلام. إن اختلاف الصحابة كان ظاهرة صحية تدل على انعدام ظاهرة التقليد، فكل فرد منهم كان يبدي رأيه في المسألة المعروضة عليه دون أن يخشى معارضة، أو يجامل فيما يعتقد أنه الصواب وبخاصة إذا أدركنا أن مدارك الناس متفاوتة ودلالات الألفاظ متعددة، فكل فرد من الناس مكلف بمقتضى عقله، وهو معذور في اجتهاده ولو كان فيه مخطئا. وكان الاجتهاد إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يتسم بطابع الشورى، فكان الخلفاء الأُوَل يجمعون الصحابة في الحوادث الطارئة الهامة من حقوقية وسياسية ويستشيرونهم في الحلول الشرعية والسياسية لها، وفقا للتوجه القرآني إلى الشورى التي وردت فيه مطلقة شاملة لجميع الأمور.

ثم بعد ذلك أصبح الاجتهاد في العصور التالية يتسم بطابع الفردية، فكان كل مجتهد يستقل برأيه وفهمه في اجتهاده، لتفرق الصحابة ومن بعدهم في الأقطار مما يصعب معه اجتماعهم وتشاورهم، والاجتهاد الفردي قد عاد بالخير الكثير على هذه الأمة لأنه قد جند العزائم لحراثة أرض الشريعة واستنباتها، وتبارى أساطين العلم في استنباط القواعد ... فقد كان من الواجب عدم تحريم الاجتهاد ولكن تنظيمه، فقد كثر المتاجرون بالدين، وكثر إصدار الفتاوى التي كثيرا ما تخدم غير المسلمين تحت مظلة الاجتهاد.

المطلب الثالث

الأصل والتقعيد الفقهي للمسألة من خلال كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر مخلوقاته؛ فخلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، وسخر له مافي السموات وما في الأرض جميعا منه، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل؛ ليعبدَاللهَ تعالى وحدَه لاشريك له، واستعمرالله تعالى البشر في الأرض؛ وقد مكّن الله تعالى البشر بطاقات ومواهب منه سبحانه؛ وكُلُّ ذلك من أجل أن يوحدوه ويقيموا شرعه سبحانه؛ كما قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [9] وإن هذا التكريم

(1) انظر كتاب: (حقوق الإنسان في الإسلام) للدكتور/سليمان الحقيل. صـ54.

(2) حرية الرأي في الفقه السياسي الإسلامي، د. شهاب سليمان عبدلله، ص1

(3) سورة آل عمران: آية 102.

(4) سورة الحج: آية 41.

(5) رواه مسلم في باب الإيمان حديث رقم 87، ورواه الترمذي في الفتن.

(6) رواه النسائي في باب فضل من تكلم بالحق عند إمام، حديث رقم 4138، المكتبة الشاملة.

(7) رواه أبو داود في سننه باب الأمر والنهي، حديث رقم 3774، ورواه الترمذي في باب ما جاء في الأمر بالمعروف، حديث رقم 2095، المكتبة الشاملة.

(8) ( ... سورة سبأ: آية 46.

(9) سورة الذاريات: آية 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت