كما يصح لنا أن نقول: إن كلمة النشر مطلقة تشمل كل أنواع النشر سواء كان على الورق أو في فيلم سينمائي أو ديسك كمبيوتر، ولكن المؤلف لم يكن في عصره إلاّ مصداق واحد للنشر، وهو النشر على الورق، وقد ظهرت الآن المصاديق الأخرى للنشر فتشملها كلمة «حقّ النشر صدقة لله تعالى» فيكون حق لنشر موقوفًا لله تعالى سواء نشر الكتاب على الورق أو بصورة أخرى حسب اطلاق الكلمة.
هذا وقد تعرّض الاستاذ مصطفى الزرقاء لهذه الحقوق تحت عنوان حقوق الابتكار تعرض فيه لاثبات أن هذه الحقوق هي حقوق مالية «تقابل بالمال» ولايجوز للاخرين التعدّي عليها وذكر دليلا على ذلك ونحن لابدّ لنا من اثبات ماليتها أولا بدليل ينسجم مع مباني الفقه الإمامي ثم نبحث عن وقفيتها بعد ذلك وإليك الآن نصّ كلام الاستاذ مصطفى الزرقاء فقال: «هناك نوع من الحقوق المالية أوجدته أوضاع الحياة المدنية والاقتصادية والثقافية الحديثة، ونظمته القوانين العصرية والاتفاقات الدولية ويسميه بعض القانونيين: (الحقوق الأدبية) كحقّ المخترع والمؤلف وكل منتج لأثر مبتكر فنّي أو صناعي، فان لهؤلاء حقًّا في الاحتفاظ بنسبة ما اخترعوه أو أنتجوه إليهم، وفي احتكار المنفعة المالية التي يمكن استغلالها من نشره وتعميمه. ومثله العلامات الفارقة الصناعية والعناوين التجارية وامتيازات إصدار الصحف الدورية، كلّ ذلك بشرائط وحدود تقرّرها القوانين المحلية والاتفاقات الدولية» .
ثم قال: «والقصد من اقرار هذه الحقوق إنما هو تشجيع الاختراع والابداع كي يعلم من يبذل جهده فيهما أنه سيختصّ باستثمارهما، وسيكون محميًّا من الذين يحاولون أن يأخذوا ثمرة ابتكاره وتفكيره ويزاحموه في استغلالها» .
ثم قال: «وفي الشرع الاسلامي متسّع لهذا التدبير تخريجًا على قاعدة المصالح المرسلة في ميدان الحقوق الخاصة» .
أقول: بما إننا لانؤمن بمبدأ المصالح المرسلة التي يؤمن بها الاستاذ مصطفى الزرقاء فلنا الحق في البحث عن التبرير الشرعي لهذا الحق على مباني الامامية الذين لايؤمنون بمبدأ المصالح المرسلة بحرفيتها فنقول:
1 ـ لقد ذكر الاستاذ السيد كاظم الحائري امكان أن يكون التبرير الشرعي هو الايمان بمبدأ ولاية الفقيه فقال: «فالولي الفقيه متى ما يرى المصلحة الاجتماعية بالمستوى المبرّر لالزام المجتمع بامثال هذه الحقوق يُعمل ولايته في تثبيت ذلك، فإذا حرّم مثلا على الناس «منع الناس» أن يطبعوا تأليف شخص مّا بلا إذنه صحّ للمؤلف أن يأخذ مبلغًا من المال ممّن يريد الطبع لقاء إذنه له بذلك، ولو طبع بلا إذنه فرض عليه بمبدأ ولاية الفقيه دفع ثمن حقّ الطبع إلى المؤلف كما تُفرَض الضرائب على الناس بمبدأ الولاية [1] .
أقول: إن هذا الدليل يختص بما إذا كانت مصلحة اجتماعية توجب الزام ولي الفقيه الناس فيعمل ولايته بمنع طبع كتاب شخص من دون اذنه وحينئذ سيكون له الحق في الاذن بطبع كتابه مقابل مال معين، ولايشمل ما إذا كانت المصلحة الاجتماعية لاتوجب الالزام وعلى هذا سوف لايكون للحق بما هو حق موضوعية في عدم جواز الاستفادة منه من دون اذن صاحبه. أي ان الحكم هنا هو حكم حكومي لا دائمي مستفاد من أدلة شرعية تثبت الحكم إلى يوم القيامة.
(1) فقه العقود/للسيد كاظم الحائري 1: 159.