إلاّ أن هذا الوجه إنما يتم إذا اراد صاحب الابتكار أن يستفيد من عمله ونتائج عمله، وإما إذا لم يرد ذلك أو مات وأراد انسان آخر أن يستفيد من العمل أو نتائج العمل فلايكون مخالفًا لحكم العقل بالاولوية.
وقف الحق المعنوي التراثي:
هناك الكتب التراثية التي صرح مؤلفوها بأنهم ألّفوها لتوضع بين يدي طلاب العلم والمعرفة ابتغاء وجه الله تعالى، وبعض من هذه الكتب قد صرح صاحبها أو ناسخها بكونها وقفًا لله تعالى أو على طلبة العلوم الدينية أو على أولاده العلماء، وقد يكون المؤلف أو الناسخ قد قصد وقف النسخة المخطوطة فقط.
ولكن لنا أن نقول: أن المؤلف أو الناسخ قد ملك حقًّا معنويًا (أو قل ملكًا معنويًا) قابلا للتداول، وهو حقّ نشر وطبع هذا الكتاب الذي بين الدفتين، فعند وقفه لهذه النسخة فهو قد وقف الحقّ في النشر لكل أحد بشرط أن ينتفع من هذا النشر طلبة العلوم الدينية أو أولاده العلماء أو يكون الربح صدقة لله تعالى عنه.
وعلى هذا: فمن أراد أن ينشر كتابًا تراثيًا موقوفًا أو يحقق كتابًا تراثيًا وينشره لابدّ أن يلحظ حقّ المؤلف الأصلي (أو الناسخ إذا كانت النسخة لغير المؤلف) من كل كميّة تطبع من الكتاب وتنشر، ويوجّه إلى حيث انصرفت ارادته الوقفية أو غيرها، فان كانت ارادته وقفًا لله تعالى فيُصرف حقه في الصدقة عنه، وإن كانت ارادته وقفًا على طلاب العلوم الدينية، فيصرف حقه في منفعتهم، وإن كانت ارادته وقفًا على أولاده العلماء فيصرف حقه في منفعتهم، وإن لم يذكر الوقف على النسخة الاصلية، فيكون حقه ملكًا لورثته فيعطى لهم إن عرفوا وإلاّ فيتصدق به عنهم، حيث تكون الصدقة عنهم نحوًا من وصول الحق اليهم على نحو التصدّق بمجهول المالك.
وقدر حقّ المالك في طبع الكتاب ونشره، وكذا قدر حقّ المحقق الذي حقق الكتاب ونشره يمكن تقديرهما من قبل أهل الخبرة في هذه الأمور.
دليل صحة وقف الحق:
هذا وقد يشكل علينا: باننا أخذنا صحة وقف الحق أمرًا مفروغًا عنه، فقد يقال ويتساءل عن دليل صحة وقف الحق مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: حبّس الأصل وسبل المنفعة مشيرًا إلى عين ومزرعة موجودة في الخارج، فلا يشمل قوله الحق الذي هو حقّ الاختصاص الذي لايكون عينًا وإن نشأ هذا الحقّ من العين.
ونقول: لا دليل على اشتراط أن يكون الموقوف مملوكًا، إذ يمكن أن نقول بصحة وقف الحقّ «حقّ الاختصاص» إلاّ إذا ثبت اجماع على أن يكون الموقوف مملوكًا «والملك درجة أقوى من الحقّ» [1] ولم يثبت هذا الاجماع، فالحق يمكن أن
(1) ذكر المحقق النائيني إن الحق سلطنة ضعيفة على المال والسلطنة على المنفعة أقوى منها والاقوى منهما السلطنة على العين (الملك) فالجامع بين الملك والحق هو الاضافة الحاصلة من جعل المالك الحقيقي لذي الاضافة المعبّر عنها بالواجدية، وكون زمام أمر الشيء بيده من جُعل له وكونه ذا سلطنة وقدرة. وهذه الاضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلقها تامة بأن تكون قابلة لانحاء التقلبات تسمى ملكًا ولو كانت ضعيفة ومن بعض الجهات تسمّى حقًّا. (منية الطالب/للشيخ موسى النجفي/1: 41) .
وقد ذكر الشيخ الآملي (المكاسب والبيع/للشيخ محمد تقي الآملي/1: 92) عن المحقق النائيني نقلا عن بعض العلماء بأنه قد فسّر الحق بالملكية غير الناضجة وقد نسب هذا المعنى للحق الى المشهور المحقق الاصفهاني (في تعليقته على المكاسب فائدة في تحقيق حقيقة الحق: 10 و11) .
أما في الفقه الوضعي: فالمعروف عدم التمييز بين الملك والحق واعتبار الملك مصداقًا من مصاديق الحقّ. والاستاذ مصطفى الزرقاء يتبّع في مصطلحه في الحق: الفقه الغربي في جعل الملك مصداقًا من مصاديق الحق. (الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد 3: 11(فقرة 3) حيث قال: الحقّ هو اختصاص يقرّر به الشرع سلطة أو تكليفًا).