لايصح وقف المنفعة وحدها دون الرقبة، ولايصح وقف ما لا فائدة فيه أو ما لا منفعة منه كوقف الخنزيز وسباع البهائم وجوارح الطير التي لاتصلح للصيد.
كما لايصح وقف ما لايدوم الانتفاع به كالطعام والشراب غير الماء.
قال الحنابلة في شرح منتهى الارادات: من شروط الموقوف: مصادفته عينًا يصح بيعها وينتفع بها مع بقاء العين، وقال أيضًا: ولايصح وقف منفعة [1]
وقال الشافعية في الحاوي الكبير: إن الموقوف لابدّ أن يكون عينًا يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها مع بقائها المتصل فلايجوز وقف ما ليس بعين [2] .
أقول: ولكن هذا كله يشير إلى عدم صحة وقف ا لمنفعة بالمعنى الاصطلاحي للوقف.
أما الوقف بالمعنى اللغوي الذي هو تحبيس العين على أن ينتفع منها الغير مع بقاء العين على ملك مالكها فهو أمر قد ورد فيه النصّ المتمثل بعنوان الحبس الاصطلاحي الذي الحق به العمرى والرقبى والسكنى وهو أمر جائز، فليكن وقف المنفعة غير جائز إلاّ أن تحبيسها للغير من أجل الانتفاع لها أو الاستفادة منها لمدة معينة أو مدة عمر مالك العين أو المستفيد من العين فهو أمر جائز ورد فيه النص كما تقدم.
ويتفرع على صحة تحبيس العين للاستفادة من المنفعة من دون خروج العين عن ملك مالكها وجود حقّ للمالك أن يتصرف ويستفيد من هذه العين المحبّسة من دون مزاحمة المحبَّس عليه فيبني على الأرض بناء «ناطحًا للسحاب» ويجعل للمحبّس عليه الانتفاع بسكناه في هذه الأرض بطابق من تلك الطوابق العديدة كما يمكنه أن يرهن هذه الأرض على قرض قد استقرضه من البنك أو يبيعها مسلوبة المنفعة مدة التحبيس وامثال هذه التصرفات التي لاتنافي استفادة المحبّس من العين التي حبّست منفعتها عليه.
وهذا كله غير الوقف الذي هو عبارة عن اخراج العين عن ملك الواقف بحيث لاتباع ولاتوهب ولاتورث.
علاقة وقف المنافع بالتصرف في الرقبة والفائدة منه:
ما دامت المنفعة مملوكة لغير المالك (كالمستأجر) فلايجوز لمن يملك المنفعة أن يتصرف في العين أي تصرف غير تصرف الاستفادة المتعارفة من العين، التي تستوجب تغييرًا أو تبديلا أو زيادة على العين أو نقصانها فهو أمر غير جائز بدون اذن المالك.
وهذا بخلاف المالك للعين الذي هو مالك للمنفعة تبعًا فإذا أخرج المنفعة من ملكه بايجار أو هبة، فهو يتمكن من التصرف في العين تصرفًا لايضرّ بالمستفيد من المنفعة كان يبيع العين مسلوبة المنفعة مدة استحقاق الغير للمنفعة، أو يرهن العين الذي استحق منفعتها غير المالك أو يغيّر في العين بحيث لايزاحم حقّ المستفيد من المنفعة.
(1) شرح منتهى الارادات 2: 400 و401.
(2) الحاوي الكبير للماوردي 9: 376، وراجع المجموع شرح المهذب لأبي زكريا النووي 15: 320.