الصفحة 3 من 28

وقد يكون الحبس لمدة معينة أو مدة حياة المحبِّس أو مدة حياة المحبَّس أو مدة حياة شخص آخر، فبعد انتهاء المدة يرجع الملك إلى الحابس أو ورثته، ويسمى هذا العقد بالحبس المقيّد ولايجوز للمحبِّس الرجوع فيه.

ويلحق بالحبس: السكنى والعمرى والرقبى. فالسكنى تختصّ بالمسكن، والعمرى والرقبى تجريان بالمسكن وفي غيره من العقار والحيوان والاثاث ونحوها مما لايتحقق فيه الاسكان، فان كان المجعول الاسكان قيل له سكنى، فان قيد بعمر المالك أو الساكن قيل له عمرى، وأن قيد بمدة معينة قيل له رقبى، وإذا كان المجعول غير الاسكان كما في الاثاث ونحوه مما لايتحقق فيه السكنى لايقال له سكنى بل قيل عمرى ان قيد بعمر أحدهما ورقبى أن قيد بمدة معينة.

وفي كل من الحبس بالسكنى أو العمرى والرقبى تبقى العين على مالك مالكها. ويلزم الحبس بالقبض، وعليه يجوز للمالك التصرف في ملكه بجميع أنواع التصرفات التي لاتنافي استيفاء المنفعة بالنسبة للمحبّس عليه.

وعلى ما تقدم من تعريف الوقف والحبس وما الحق بالحبس من السكنى والعمرى والرقبى يلزم الفصل بين لفظي الوقف والحبس كما تقدم من الاختلاف في أحكام كل منهما. فان الوقف تخرج العين به عن ملك المالك حسب النصّ الكامل لاتباع ولاتورث ولاتوهب، أما الحبس فتبقى العين على ملك مالكها مع كون المنفعة لآخر ويكون الحبس غير لازم كما إذا لم تكن المدة معينة، فإن عينت كان الحبس لازمًا.

وعلى هذا فاعتبار الترادف بين لفظ الوقف والحبس كما عن بعض غير صحيح، واتفاق الأحكام للوقف والحبس غير صحيح وإن كان كل واحد منهما يراد به وجه الله ويكون برًّا، فان أنواع البِّر كثيرة كالصدقة والوصية والهبة والوقف والحبس والعارية واشباهها إلاّ أن كل واحد منها له حكمه الخاص به الذي لايشمل غيره، فلا يمكن أن نُسمِّي الوقف حبسًا وان عُرِّف الوقف بالحبس إلاّ أنه قيد بقطع تصرف الواقف في الرقبة بخلاف الحبس الذي عُرِّف بأنه جَعلُ المالك حقّ الانتفاع بملكه لآخر مع تمكنه من التصرف بالرقبة تصرفًا لاينافي استيفاء المنفعة بالنسبة للحبس عليه.

فما ذكره البعض [1] تحت عنوان وقف الاعيان المتكررة إذ قال: «وثمة صور أخرى لوقف الاعيان ساعد على ابتكارها تطور مفهوم المؤسسة، فالمؤسسة تعيش عمرًا يتجاوز عمر مالكها والقائمين عليها معًا، وهي كثيرًا ما تكون دائمة مؤبدة فإذا قامت مؤسسة ـ هذه طبيعتها ـ بتحبيس جزء عيني من منتجاتها على وجوه البر، إما على اساس منتجات يوم بعينه أو شهر معين متكررين، أو على أساس نسبة محددة من مجموع منتجاتها، فان ذلك ـ ولاشك ـ وجه من وجوه البر الذي يتخذ نموذج الصدقة الجارية، ولا يخرج عن كونه صورة مستجدة من صور الوقف ....

ومثل هذا الوقف يمكن أن يكون مؤبدًا لأن المؤسسة نفسها مؤبدة، فيمكن من انتاجها تحقيق معنى التأييد. ويمكن أيضًا أن يكون جاريًا متكررًا لمدة محددة لعشر سنوات أو لخمسين سنة حسب رغبة أصحابه. ولكل من الاجر والثواب على قدر ما يعمل من البرِّ. ولا يتعلق هذا الوقف بأي جزء من أصول الشركة وموجوداتها، وانما

(1) الدكتور منذر قحف في كتابه الوقف الإسلامي/تطوره، ادارته، تنميته ص180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت