الصفحة 5 من 28

محددة أو مؤبدًا دائمًا حتى لايستطيع وارث أو مالك جديد للأرض أن يحرم المصلين من هذا الحقّ ...

فهل يمنعه الفقيه المعاصر بحجة عدم قبول التوقيت في الوقف، فيحرم الناس من البر في حين إن الشرع الحكيم يشجع عليه. وهل يقبل عاقل أن الشريعة الإسلامية التي تبيح ـ بل تحث على ـ العارية والمنيحة وهما من اعمال البر المؤقتة التي ينتفع بها شخص بعينه تمنع مثل هذا البرِّ نفسه إذا كان لمصلحة عامة ينتفع بها ناس كثيرون؟ ... إن المسألة في نظرنا: أن هذا النوع من أعمال البر لم يكن مألوفًا في عصور ازدهار الفقه لبساطة الحياة وعدم تعقدها وقلة تكاليف البناء وعدم وجود ضرائب على العقار وغير ذلك من اسباب ومعاذير» [1] .

ثم قال: «وبعد أن وازن الإمام أبو زهرة بين أدلة من يقول باشتراط التأبيد وأدلة من يرون جواز التوقيت في الوقف عقّب بقوله: «فرأيت أن الاكثرين عددًا قد قالوا: أن التأبيد جزء من معنى الوقف ومفهومه. وأن القلة من الفقهاء رأت أن التأبيد ليس جزء من معنى الوقف فيجوز مؤقتًا ومؤبدًا معًا. وقد علمت أن القلة تستمد رأيها من معاني الشريعة ومغزاها ومرماها. وهي بهذا قد استعاضت عن قلة عددها بقوة دليلها. وكان من هذه القلة إمام جليل هو من أئمة الرأي وعلماء السنة: الإمام مالك. فجواز توقيت الوقف ـ مع قوة دليله ـ قد زاده قوة فوق قوته أنه قول من لايحيد عن السنة قيد أنملة ومن يدرك وجوه الرأي السليم» [2] .

أقول: ويرد على الدكتور منذر قحف:

1 ـ إن اعارة أحد المسلمين داره لمدة خمس سنوات هو اعارة وهو عقد جائز يجوز له الرجوع فيه وهذا امر صحيح كما ذكر الدكتور، إلاّ أنه بعد ذلك قال ولنقل أنه وقف وقف لمدة خمس سنين ولا مشاحة في الاصطلاح. ولكننا نعلم أن الوقف أمر لازم لايجوز الرجوع فيه. فكيف يكون عارية ويكون وقفًا مع اختلاف احكامهما وتصريحه بالعارية ونحن نقول أنه وقف؟!! مع أننا نتفق معه على أنه إن أجاز للمسلمين أن تكون داره خمس سنوات لاقامة الصلوات والجمع هو من البرِّ والخير ولايختلف معه أحد، ولاتمنعه الشريعة من ذلك، ولانحكم بأن ما ذكره هو وقف إذ ذكر أنه عارية.

2 ـ لو ذكر صيغة الوقف وقال وقفت داري خمسة سنين لاقامة الصلوات والجمع فيها، وكان قصده هو الانتفاع بالدار لا اخراج الدار عن ملكه، فهو تحبيس كما تقدم ويجب الوفاء به، وفرق بين الوقف والتحبيس، فان الوقف هو اخراج العين عن ملكه (كما عليه الأكثر) بحيث لايتمكن أن يتصرف فيها هو أو غيره ببيع أو هبة ولا تورث، فإذا كان قصده من لفظة الوقف هو التبرع بالمنفعة لوقت محدد وعدم اخراج العين عن ملكه فلا ينعقد وقفًا بل يكون تحبيسًا كما تقدم ذلك ويجب الوفاء بما حبَّس، ولايؤخذ منه العقار ويحكم بوقفيته على التأبيد إذا لم يقصد معنى الوقف من كلمة الوقف، ولايقول به أحد.

3 ـ إن الشريعة الإسلامية تحث على المنيحة والعارية وهما من أعمال البرِّ المؤقتة لشخص معين ويمكن أن تكون المنيحة والعارية للمصلحة العامة بحيث ينتفع بها ناس كثيرون ولايمنع أحد عن الثاني مع اجازة الأول كما ادعى ذلك

(1) المصدر السابق: 149 ـ 150.

(2) المصدر السابق: 153، عن أبي زهرة محاضرات في الوقف: 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت